في مشهد يختزل عمق المأساة الإنسانية في قطاع غزة، عاد المواطن محمود خلة إلى ركام منزله المدمر، لا بحثًا عن نجاة، بل عن بقايا أحبته الذين ظلوا تحت الأنقاض لأكثر من عامين، وأمضى ساعات طويلة يحفر بين الإسمنت والحديد، بأدوات بدائية ويدين مثقلتين بالفقد، محاولًا انتشال جثامين أفراد عائلته الذين استشهدوا في قصف إسرائيلي دمّر المنزل بالكامل أواخر عام 2023.
وبينما تتواصل معاناة آلاف العائلات التي ما تزال تنتظر انتشال ودفن ذويها، تتكشف في غزة فصولٌ جديدة من الألم الإنساني، وسط دمار واسع وعجز حاد في الإمكانيات وغياب فرق الإنقاذ والمعدات الثقيلة.
8 آلاف شهيد تحت الأنقاض
«خلة» واصل الحفر يدويًا بين كتل الإسمنت والحديد المتشابك، في محاولة للوصول إلى بقايا أحبّته الذين ظلوا تحت الأنقاض منذ قصف المنزل في 21 ديسمبر/كانون الأول 2023، بعدما تعذر انتشالهم آنذاك بسبب شدة الدمار وخطورة المكان ونقص الإمكانيات. مؤكدًا أن عمليات الحفر تُعيد إليه تفاصيل الفاجعة وكأنها وقعت للتو، مضيفًا أن الألم اليوم ربما يفوق ما شعّر به وقت القصف.
“عندما قُصف منزلنا استشهد فيه نحو 39 شخصًا؛ أمي وأبي وزوجتي وأبنائي وإخواني وزوجاتهم وأبناؤهم، إضافة إلى أخوالي وعائلاتهم.. استطعنا يوم القصف دفن 12 شهيدًا فقط، فيما بقيّ الآخرون تحت الأنقاض، بسبب سوء الأوضاع في شمالي القطاع”. حسب تصريحات محمود خلة لوطالة صفا.
مأساة عائلة «خلة» تعكس جانبًا من المعاناة المستمرة التي تعيشها مئات العائلات الفلسطينية في غزة، حيث ما تزال جثامين نحو 8 آلاف شهيد تحت الأنقاض، في ظل الدمار الواسع ونقص المعدات والوقود وفرق الإنقاذ.
انتشال بقايا عظام
ويواصل المواطن الغزاوي روايته المأساوية “طوال 29 شهرًا كنا ننتظر إدخال معدات لإزالة الركام وانتشال الشهداء، لكن شيئًا لم يصل، لذلك قررت، بمساعدة الجيران، الحفر بأدوات بسيطة مثل الشاكوش والكريك وبعض المعدات الخفيفة، وتكسير أسقف المنزل الأربعة للوصول إلى من تبقى”.
«خلة» وصف لحظات الحفر بأنها من أصعب ما مرّ عليه، قائلًا: “مع كل طرقة أشعر وكأن قلبي يُنتزع من مكانه. أشعر أنني أصبحت أقرب إلى أبنائي وإخوتي، لكن لا أستطيع استيعاب أنني سأحتضنهم للمرة الأخيرة وهم مجرد عظام بلا ملامح”. مشيرًا إلى أنه تم انتشال جثمان خاله، إضافة إلى بقايا عظام لأطفال تعذر التعرف عليهم، فسُجلوا في عداد مجهولي الهوية.
مئات الشهداء بعد الهدنة
وارتفعت حصيلة عدوان الاحتلال الإسرائيلي على القطاع إلى 72,757 شهيدا، و172,645 مصابا، منذ بدء العدوان في السابع من تشرين الأول 2023. واستقبلت أن مستشفيات قطاع غزة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية 13 شهيدا (أحدهم متأثرا بجروحه)، و57 إصابة. حسب مصادر طبية في قطاع غزة، لوكالة وفا.
إجمالي الشهداء منذ وقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول الماضي – حسب المصادر – قد ارتفع إلى 870 شهيدا، وإجمالي الإصابات إلى 2,543، فيما جرى انتشال 771 جثمانا. ولا يزال عدد من الضحايا تحت الركام وفي الطرقات، في ظل عجز طواقم الإسعاف والإنقاذ عن الوصول إليهم حتى هذه اللحظة.




