تواصل آلة الحرب الإسرائيلية حصد أرواح المدنيين في قطاع غزة مع اتساع نطاق الغارات الجوية والعمليات البرية داخل مدينة غزة ومحيطها. ففي ساعات فجر الأربعاء فقط، أعلن الدفاع المدني عن استشهاد 29 شخصاً في هجمات متفرقة استهدفت مناطق مأهولة، بينها أسواق مكتظة وخيام للنازحين ومستودعات خدمية، ما يعكس طبيعة الاستهداف العشوائي الذي يطاول بنى مدنية لا صلة لها بالأهداف العسكرية.
استهداف مخيمات الاجئين
اللافت في هذه الجولة الجديدة من القصف هو اتساع رقعة الضربات لتشمل مختلف أرجاء القطاع، بما في ذلك مدينة غزة ومخيم النصيرات للاجئين، حيث سقط خمسة شهداء في غارتين متتاليتين. أما في قلب مدينة غزة، فقد استهدفت ثلاث غارات مستودعاً يتبع للبلدية ومواقع إيواء للنازحين في سوق فراس، ما أدى إلى استشهاد سبعة أشخاص على الأقل، معظمهم من المدنيين. مشاهد الفلسطينيين وهم يلتفون حول جثث أقاربهم التي انتشلت من تحت الركام باتت صورة يومية تلخص حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها القطاع منذ نحو عامين من الحرب المستمرة.
الهجوم الإسرائيلي لم يقتصر على الضربات الجوية، بل ترافق مع توسيع للعملية البرية التي تنفذها القوات الإسرائيلية داخل مدينة غزة، في إطار ما تعتبره “المعركة النهائية” ضد حماس. غير أن حصيلة الضحايا وتدمير البنى التحتية وانهيار الخدمات الأساسية تكشف أن الكلفة الأكبر تقع على المدنيين. ومع كل توسع عسكري جديد، تتجدد موجات النزوح الجماعي من المدينة الأكثر اكتظاظاً بالسكان نحو مناطق توصف بأنها “آمنة”، لكنها في الواقع لا تخلو من الغارات والقصف.
غزة مدينة أشباح
هذه التطورات الميدانية تجري في ظل إدانات دولية متزايدة، غير أن المواقف السياسية لم تترجم إلى إجراءات توقف نزيف الدم أو توفر الحماية الإنسانية العاجلة. وتبرز هنا إشكالية غياب ممرات آمنة حقيقية أو ضمانات دولية لوقف استهداف المستشفيات ومراكز الإيواء والأسواق الشعبية. ما يجري على الأرض يعكس نمطاً متكرراً: توسع عسكري إسرائيلي يقابله انهيار إضافي في البنية المدنية، وزيادة أعداد الضحايا من المدنيين، ودوامة جديدة من النزوح الجماعي.
في جوهر المشهد، تظهر غزة اليوم كمدينة أشباح تتعرض للتدمير الممنهج، حيث لم تعد المرافق البلدية، ولا أسواقها، ولا حتى خيام النازحين بمنأى عن القصف. وبينما يواصل المجتمع الدولي الاكتفاء ببيانات القلق والإدانة، يظل المدنيون وحدهم من يدفعون الثمن الأكبر في حرب تبدو بعيدة عن نهايتها، وتتحول تدريجياً إلى كارثة إنسانية شاملة تهدد حياة ووجود سكان القطاع برمته.






