بعد 57 عاماً على إحراق المسجد الأقصى، تحل الذكرى هذا العام في ظل واقع يقول الفلسطينيون إن ملامحه تتغير تدريجياً داخل أحد أكثر الأماكن حساسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ففي 21 أغسطس/آب 1969، أضرم الأسترالي مايكل روهان النار في أجزاء من المسجد الأقصى، قبل أن يتم توقيفه بعد يومين. وقال روهان خلال التحقيقات إنه أقدم على فعلته بدوافع دينية مرتبطة باعتقاده بإعادة بناء ما يسمى “الهيكل”.
وسارع المصلون وفرق الإطفاء من القدس والضفة الغربية إلى السيطرة على النيران، لكن الحريق لم ينتهِ بانطفاء ألسنته؛ إذ تحول إلى لحظة مفصلية في تاريخ الصراع على القدس، وأثار موجة واسعة من الغضب في العالمين العربي والإسلامي.
وبعد أشهر، قضت محكمة إسرائيلية بعدم مسؤوليته الجنائية، بحجة معاناته من اضطراب نفسي، وأمرت بإيداعه مؤسسة للعلاج.
لكن تداعيات الحريق تجاوزت الحادث نفسه.
من الحريق إلى تأسيس منظمة التعاون الإسلامي
أثار إحراق المسجد الأقصى موجة احتجاجات عربية وإسلامية واسعة، وأصبح الحدث عاملاً رئيسياً في الدعوة إلى تنسيق المواقف الإسلامية تجاه قضية القدس.
وفي سبتمبر/أيلول 1969، انعقدت في الرباط أول قمة إسلامية، وهي القمة التي شكلت لاحقاً أحد الأسس التي قادت إلى تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي، التي أصبحت تعرف اليوم باسم منظمة التعاون الإسلامي.
وهكذا، لم يكن حريق الأقصى مجرد اعتداء على مبنى ديني، بل تحول إلى حدث سياسي أعاد وضع القدس في قلب العمل الجماعي للعالم الإسلامي.
57 عاماً بعد الحريق.. الخطر لم يعد حريقاً
لكن طبيعة المخاوف اليوم تبدو مختلفة.
فبدلاً من الحديث فقط عن احتمال إحراق المسجد أو تدميره بشكل مباشر، تتركز التحذيرات الفلسطينية والأردنية والإسلامية على ما يوصف بأنه تغيير تدريجي في طبيعة الوجود والطقوس داخل باحات المسجد.
وخلال عام 2026، شهد الأقصى، وفق المعطيات الواردة، اقتحامات بأعداد متزايدة، إلى جانب ممارسات وطقوس يهودية علنية، شملت الصلاة والسجود ورفع الأعلام الإسرائيلية، وصولاً إلى السماح بإدخال كتب صلاة رسمية إلى باحات المسجد.
وهنا تكمن حساسية المشهد.
فالتغيير، وفق هذا الطرح، لا يحدث بالضرورة عبر قرار واحد يعلن تغيير الوضع القائم، وإنما عبر سلسلة من الممارسات الصغيرة التي تتكرر حتى تتحول مع الوقت إلى أمر واقع.
ما هو “الوضع القائم”؟
لفهم حجم الجدل، لا بد من العودة إلى مفهوم الوضع القائم في المسجد الأقصى.
بعد احتلال إسرائيل للقدس الشرقية عام 1967، استمرت دائرة الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن في إدارة الشؤون الدينية للمسجد، بينما تولت الشرطة الإسرائيلية السيطرة الأمنية على مداخله.
وبموجب معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية عام 1994، جرى الاعتراف بالدور الخاص للأردن في المقدسات الإسلامية في القدس.
وبحسب الترتيبات التي استمرت لعقود، كان المسلمون يمارسون عبادتهم داخل المسجد، بينما يُسمح لغير المسلمين بالزيارة، من دون تحويل باحات الأقصى إلى مساحة لممارسة طقوس دينية يهودية بصورة علنية.
لكن هذا الترتيب تعرض خلال السنوات الماضية لاختبارات متزايدة.
من الزيارة إلى الطقوس
منذ عام 2003، سمحت الشرطة الإسرائيلية لغير المسلمين باقتحام المسجد عبر أوقات محددة خلال أيام الأسبوع، باستثناء الجمعة والسبت وفق الترتيبات المتبعة.
لكن المشكلة التي يطرحها الفلسطينيون لا تتعلق فقط بدخول غير المسلمين إلى المكان.
السؤال الأهم هو: ماذا يفعل الزائر داخل المسجد؟
فبينما كان دخول غير المسلمين يقدم تقليدياً على أنه زيارة، شهدت السنوات الأخيرة تصاعداً في محاولات أداء طقوس دينية يهودية داخل الباحات، بما في ذلك الصلاة والسجود ورفع الأعلام.
وهذا التحول، إذا استمر، يعني أن الجدل لم يعد متعلقاً بحرية الزيارة فقط، بل بطبيعة استخدام المكان نفسه.
بن غفير.. السياسة تدخل إلى باحات الأقصى
ازداد هذا الملف حساسية مع وصول إيتمار بن غفير إلى وزارة الأمن القومي، وهي الوزارة التي تشرف على الشرطة الإسرائيلية.
ويعتبر بن غفير من أبرز السياسيين الإسرائيليين الذين تبنوا مواقف أكثر تشدداً تجاه المسجد الأقصى، وسبق أن دعا إلى تغيير ترتيبات العبادة القائمة في المكان.
وفي يناير/كانون الثاني 2026، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن التغييرات التي أدخلها بن غفير في المسجد “لا تغير الوضع القائم”، مضيفاً أنها منسقة معه.
لكن بالنسبة للفلسطينيين والجهات الرافضة لهذه الإجراءات، فإن المشكلة لا تكمن فقط في التصريحات الرسمية، بل في الفارق بين ما يقال عن الوضع القائم وما يحدث فعلياً على الأرض.
فإذا كانت الصلاة والسجود ورفع الأعلام وإدخال كتب الصلاة تتحول إلى ممارسات متكررة، فإن السؤال يصبح: هل نحن أمام تطبيق للوضع القائم، أم أمام إعادة تعريف تدريجية له؟
اقتحامات متزايدة وقيود على المسلمين
وتزامنت هذه التطورات مع استمرار الاقتحامات اليومية للمسجد.
وفي أحدث الوقائع، اقتحم عشرات المستوطنين المسجد عبر باب المغاربة، بحسب محافظة القدس، في وقت تحدثت فيه المصادر نفسها عن قيود إسرائيلية على دخول المصلين المسلمين.
وهنا يظهر أحد أكثر جوانب الأزمة إثارة للجدل: اختلال التوازن بين حرية الدخول والممارسة الدينية بين الطرفين داخل المكان المقدس.
فبينما تتسع، وفق المنتقدين، مساحة الطقوس اليهودية داخل باحات المسجد، تفرض السلطات الإسرائيلية قيوداً على وصول المصلين الفلسطينيين، خصوصاً في فترات التوتر والأعياد والمناسبات الدينية.
هل يتغير الوضع القائم دون إعلان رسمي؟
ربما تكمن أخطر نقطة في المشهد الحالي في أن تغيير الوضع القائم لا يحتاج بالضرورة إلى إعلان رسمي.
قد يبدأ الأمر بالسماح بالصلاة الصامتة، ثم السجود، ثم الصلاة الجماعية، ثم إدخال الكتب الدينية، ثم رفع الأعلام، ثم تتحول الممارسة الاستثنائية إلى ممارسة معتادة.
وبمرور الوقت، يصبح السؤال أقل ارتباطاً بما كان مسموحاً به في السابق، وأكثر ارتباطاً بما أصبح واقعاً بالفعل.
وهذا هو جوهر التحذيرات الفلسطينية والأردنية من أن الأقصى يواجه تغييراً تدريجياً في قواعد التعامل معه.
الأقصى بين التاريخ والواقع السياسي
منذ عام 1967، لم تكن قضية المسجد الأقصى مجرد قضية دينية.
فالمسجد يمثل جزءاً مركزياً من الهوية الفلسطينية، بينما تمثل القدس بالنسبة لإسرائيل قضية سياسية وأمنية ودينية شديدة الحساسية.
ولهذا فإن أي تغيير في ترتيبات المسجد يمكن أن تكون له تداعيات تتجاوز أسواره، وقد يتحول سريعاً إلى أزمة فلسطينية إسرائيلية، ثم إلى أزمة إقليمية ودولية.
والتاريخ نفسه يقدم مثالاً واضحاً على ذلك.
فحريق عام 1969 أدى خلال أسابيع إلى تحرك سياسي إسلامي واسع، وأسهم في تأسيس إطار مؤسسي جمع عشرات الدول الإسلامية.
واليوم، وبعد أكثر من نصف قرن، تبدو المخاوف مختلفة في الشكل، لكنها تعود إلى السؤال ذاته:
من يحدد قواعد الدخول والصلاة والطقوس في المسجد الأقصى؟
57 عاماً.. والحريق لم يعد وحده مصدر الخوف
في ذكرى إحراق المسجد الأقصى، لا يستحضر الفلسطينيون فقط صورة النيران التي التهمت أجزاء من المسجد قبل 57 عاماً، بل ينظرون أيضاً إلى ما يعتبرونه مساراً أكثر هدوءاً وأبطأ: تغيير الواقع داخل باحات المسجد خطوة بعد أخرى.
وبينما تؤكد الحكومة الإسرائيلية أن الوضع القائم لم يتغير، تقول جهات فلسطينية وإسلامية إن الممارسات على الأرض ترسم صورة مختلفة.
وفي النهاية، قد لا يكون الخطر الذي يخشاه الفلسطينيون اليوم حريقاً جديداً يلتهم سقف المسجد في ساعات، وإنما تغييرات صغيرة ومتراكمة تجعل واقع المسجد بعد سنوات مختلفاً عما كان عليه قبلها.
وهنا تكمن حساسية الأقصى: ففي الأماكن التي تحمل هذا القدر من الرمزية الدينية والسياسية، قد يكون تغيير العادة أخطر أحياناً من تغيير القانون؛ لأن ما يبدأ استثناءً قد يتحول، مع مرور الوقت، إلى أمر واقع.






