تسعى حركة حماس، عبر ذراعها العسكرية كتائب القسام، إلى تسويق عملياتها القتالية المحدودة في قطاع غزة على أنها إنجازات ميدانية تعكس قدرتها على المقاومة والرد، رغم الخسائر الهائلة التي يتكبدها المدنيون الفلسطينيون يوميًا تحت وطأة القصف الإسرائيلي العنيف والممنهج.
ويأتي إعلان الحركة عن قنص سائق جرافة عسكرية إسرائيلية شرقي مدينة غزة، بعد أسبوع على تنفيذ العملية، كتعبير عن محاولة لترميم صورة الردع واستعادة زمام المبادرة الرمزية، وسط تصاعد حجم الدمار، وتدهور الأوضاع الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة.
انتصار رمزي أمام دمار غزة
يُثير هذا النمط من الخطاب القائم على “الاستثمار الرمزي” للعمليات الفردية، أسئلة جوهرية حول الأولويات الاستراتيجية لحركة حماس، وجدوى الاستمرار في النهج العسكري نفسه، خصوصًا بعد مرور أكثر من ثمانية أشهر على الحرب التي اندلعت في أعقاب عملية 7 أكتوبر، والتي جلبت ردًا إسرائيليًا دمويًا دمّر غالبية قطاع غزة، وشرد أكثر من مليونَي فلسطيني، وقتل عشرات الآلاف. ورغم هذه الكلفة البشرية الباهظة، لا تزال حماس تواصل نهجها القتالي مع تجاهل شبه تام للواقع الإنساني الكارثي، الأمر الذي يعكس انفصالًا مقلقًا بين خطابها السياسي-العسكري واحتياجات السكان المحاصرين والنازحين.
وفي الوقت الذي تُقتل فيه عائلات كاملة تحت الأنقاض وتنهار المنظومة الصحية والإغاثية، تحتفي الحركة بقتل سائق جرافة أو إصابة جندي، في ما يبدو استثمارًا دعائيًا لا يرقى إلى مستوى الحدث، ولا يغيّر موازين القوى على الأرض. بل إن هذا النمط من الاستعراض العسكري، قد يُسهم في إطالة أمد الحرب، ويُستخدم كمبرر من قبل إسرائيل لمواصلة عدوانها بذريعة “القضاء على البنية التحتية العسكرية لحماس”.
حماس أمام مسؤولية أخلاقية ووطنية
من جهة أخرى، يلف الغموض الموقف الحقيقي لحماس من الحرب الإقليمية غير المعلنة بين إسرائيل ومحور المقاومة الذي تقوده إيران. وبينما تتصاعد المواجهة بين الطرفين على أكثر من جبهة، تتزامن تحركات حماس مع هذا السياق الأوسع، وتُطرح تساؤلات جدية بشأن ما إذا كانت الحركة توظف التصعيد في غزة كجزء من لعبة المحاور، لضمان استمرار الدعم السياسي والعسكري من حلفائها الإقليميين، خاصة إيران وحزب الله. ويعزز هذا الانطباع تأخُّرها في الانخراط بمرونة في مفاوضات التهدئة، ما يفتح الباب أمام فرضية أن القرار العسكري والسياسي في الحركة بات مرتبطًا بحسابات أوسع من حدود غزة.
ورغم إقرار شرائح واسعة من الشعب الفلسطيني بحق المقاومة في الدفاع عن النفس، فإن الاستمرار في هذا النهج دون مراجعة سياسية واستراتيجية، في ظل دمار شامل وغير مسبوق، يضع حماس أمام مسؤولية أخلاقية ووطنية. فشعبٌ يفقد مقومات الحياة الأساسية يوميًا لا يمكن له أن يتحمل المزيد من “الرمزية القتالية” المجردة، بل يحتاج إلى قيادة تتحرك من أجل وقف النزيف الإنساني، لا إلى تباهٍ عسكري يُستثمر في بيانات إعلامية.
منح إسرائيل ذريعة لاستمرار الحرب
إن استمرار حماس في النهج العسكري دون أفق سياسي أو مخرج إنساني، يُقوّض ما تبقى من صمود الشعب الفلسطيني، ويمنح إسرائيل ذريعة لاستمرار الحرب، بينما تتآكل الثقة في قدرة الحركة على قيادة مشروع وطني يوازن بين الحق في المقاومة وواجب حماية الناس.






