بينما تمضي الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة نحو عامها الثاني، تزداد المشاهد عبثيةً وقسوة، لا بفعل القصف والدمار فحسب، بل بسبب انكشاف شبكة من الصراعات الداخلية التي تتكشّف شيئًا فشيئًا في ظل الفوضى الأمنية والفراغ السياسي. وفي القلب من هذه المشهدية المأساوية تقف حركة «حماس»، التي تحكم غزة بقبضة أمنية منذ العام 2007، وتواجه الآن تحديات لم تعد فقط من الخارج، بل من الداخل أيضًا، من مجموعات مسلحة متنامية، بعضها يحمل بصمات تدخل إسرائيلي مباشر، والبعض الآخر تفوح منه رائحة الفوضى العشائرية والانفلات الأمني.
دوافع عشائرية وتمويل إسرائيلي
على مدى 18 عاماً، بنت «حماس» نظام حكمها في غزة على مركزية القوة واحتكار القرار. لم يكن المشروع قائمًا على التعدد أو التشاركية، بل على الإقصاء والتصفية والتخوين، ما ترك جيلاً كاملاً يعيش في ظلال الخوف والتبعية. ومع مرور الوقت، ورغم الإنجازات الأمنية التي تفاخر بها الحركة في قمع الجريمة وضبط السلاح، فإنها تجاهلت حقيقة أن السياسات القمعية تولّد انفجارات تحت السطح، وأن ما يُدفن اليوم في الظلام يعود ليظهر لاحقًا كشرارة تمرد أو عنف موجه.
ما نراه اليوم في قطاع غزة هو بالضبط تلك النتيجة. فالمجموعات المسلحة المناوئة لحماس التي بدأت تتكاثر وتتمظهر علنًا – وإن بشكل محدود – ليست وليدة لحظة عسكرية إسرائيلية، بل هي نتاج تراكمي لعقدين من حكم مركزي قائم على التهميش والتمييز ورفض التعددية. فسواء كانت هذه الجماعات، مثل مجموعة ياسر أبو شباب في رفح، أو مجموعة رامي حلس في الشجاعية، تتحرك بدوافع عشائرية أو بتمويل إسرائيلي أو حتى نتيجة ثأر شخصي، فإن حضورها بات يمثل كسرًا لهيبة حركة «حماس» أمام جمهورها ومحيطها، وهو ما لم يحدث بهذا الوضوح منذ 2007.
بيئة خصبة لمزيد من الانقسامات
غير أن خطورة هذه الجماعات لا تتجسد فقط في تهديدها لحكم «حماس»، بل في الانعكاسات المباشرة على المجتمع المدني الفلسطيني. فهذه المجموعات، التي امتهنت السطو على شاحنات المساعدات وابتزاز الأهالي واستغلال الفوضى، تسهم في تعزيز صورة الغابة في القطاع، وتحول المعاناة اليومية للناس من صراع مع الاحتلال إلى صراع مزدوج: مع جيش الاحتلال من جهة، ومع فصائل ومجموعات مسلحة تنمو في الظل من جهة أخرى. وهكذا يصبح المواطن العادي هو الضحية المستمرة، واللاعب الأضعف في كل المعادلات، سواء كانت سياسية أم أمنية.
أما حركة «حماس»، فتتعامل مع هذا التحدي بالطريقة ذاتها التي اعتادتها منذ البداية: القمع، والقتل، والإعدامات الميدانية، متجاوزة أي أفق للمصالحة المجتمعية أو استيعاب الغضب الداخلي. فحين تُعدم «حماس» أفرادًا من مجموعات عشائرية أو متهمين بالتعاون أو النهب، فإنها لا تُنهي المشكلة، بل تعيد إنتاجها بلغة الثأر والدم، وتهيئ بيئة خصبة لمزيد من الانقسامات.
ولا يمكن هنا إعفاء إسرائيل من المسؤولية عن تأجيج هذه الفوضى، إذ تحاول تل أبيب بذكاء، وفق اعترافات مسؤولين أمنيين لديها، استغلال الغضب العشائري أو الثأري أو حتى الجنائي، لبناء بدائل محلية لحماس في بعض المناطق، أو لإضعافها من الداخل دون الحاجة إلى السيطرة المباشرة. إنها محاولة هندسة “نظام أمني بديل”، يُدار بأدوات فلسطينية تتقاتل فيما بينها، بينما تراقب إسرائيل المشهد عن بعد، دون أن تتورط ميدانيًا.
انهيار التماسك الداخلي
لكن رغم هذه الحقيقة، فإن الأخطر يبقى في المنظومة التي صنعت هذا الواقع: غياب دولة، غياب سيادة قانون، غياب مشروع وطني جامع، وبدلًا من ذلك، وجود سلطات أمر واقع تتصارع وتُحكم بمنطق القوة لا الشرعية. وما بين سلطة «حماس» التي تستمد قوتها من السلاح، ومجموعات مسلحة تتغذى على الفوضى والانقسام، ينهار ما تبقى من نسيج اجتماعي في غزة، ويتحول القطاع إلى ساحة مفتوحة لصراع مفتوح على السلطة والغنيمة، لا علاقة له بقضية وطنية ولا بمقاومة الاحتلال.
إن مأساة غزة اليوم لم تعد فقط في القصف والتجويع، بل في انهيار التماسك الداخلي، وفي أن يتحول الشاب الفلسطيني من مقاوم يبحث عن الحرية، إلى فرد في مجموعة مسلحة تبحث عن غنيمة أو انتقام أو حماية من فراغ الدولة. وما لم تُطرح مراجعة شاملة لأسس الحكم في غزة، وطريقة إدارة شؤون الناس، ومكانة الإنسان الفلسطيني في قلب المشروع الوطني، فإن القادم قد يكون أكثر سوداوية من كل ما سبق.





