في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى جبهات أخرى في الإقليم، تعود سوريا مجددًا إلى واجهة المشهد، ولكن هذه المرة من بوابة الانفلات الأمني المتجدد والاضطرابات المتصاعدة، لا سيما في الجنوب والساحل، مما يكشف عن هشاشة الاستقرار المزعوم ويعيد إلى الواجهة تساؤلات حول قدرة الدولة على بسط سيطرتها وإعادة ترميم بنيتها الأمنية.
أبرز ما يطغى على المشهد اليوم هو نجاح وزارة الداخلية السورية في القبض على عدد من المطلوبين في منطقة الساحل، أبرزهم مالك علي أبو صالح، الذي تصفه السلطات بأنه “متزعم غرفة عمليات الساحل الخارجة عن القانون”. هذه الخطوة، التي جاءت بعد أشهر من عمليات كرّ وفرّ، تعكس حجم التحدي الذي تواجهه الأجهزة الأمنية في التعامل مع مجموعات مسلحة محلية تمتلك امتدادات اجتماعية وجغرافية وتعمل في مناطق يُفترض أنها خاضعة لسيطرة الحكومة بشكل كامل.
شخصيات متورطة في هجمات
إلى جانب أبو صالح، أُلقي القبض على أسماء بارزة أخرى مثل وضاح سهيل إبراهيم وإبراهيم نضال عثمان، وهي شخصيات متورطة في تنفيذ هجمات ضد حواجز أمنية ونقاط عسكرية خلال الأشهر الماضية. هذه الهجمات، التي لم تكن معزولة، تشير إلى نمط متكرر من تحدي السلطة في مناطق يُفترض أنها هادئة، مما يُضعف من سردية الدولة حول استعادة السيطرة الكاملة على البلاد بعد أكثر من عقد من الحرب.
في السياق ذاته، تشهد محافظة السويداء تطورات لافتة لا تقل أهمية، حيث دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ بعد اندلاع مواجهات بين مجموعات مسلحة تنتمي للطائفة الدرزية وعشائر محلية، في أحداث حملت طابعًا أهليًا ولكنها سرعان ما اكتسبت أبعادًا سياسية وأمنية أوسع، خصوصًا بعد تدخل القوات الحكومية ووقوع خسائر بشرية كبيرة في صفوفها.
تزامن هذه المواجهات مع تحركات إسرائيلية لافتة يضيف بُعدًا إقليميًا بالغ الحساسية. فإسرائيل، التي أعلنت مجددًا التزامها بحماية “الدروز في سوريا”، تستغل الاضطرابات جنوب البلاد لتبرير تدخلها العلني، سواء عبر دعم لوجستي وإنساني مزعوم للطائفة الدرزية، أو عبر شن غارات متكررة استهدفت مواقع عسكرية سورية في عدة محافظات، بما فيها دمشق نفسها. هذه الغارات، التي وُصفت بأنها الأوسع منذ شهور، استهدفت مقار سيادية مثل وزارة الدفاع وهيئة الأركان، ما يعني أن رسائل إسرائيل لم تعد تقتصر على “الردع التكتيكي” بل باتت تحمل طابعًا سياسيًا واستراتيجيًا صريحًا.
مأزق متعدد الجبهات
إسرائيل لم تكتف بالغارات، بل فتحت قنوات اتصال علنية مع الدروز في الداخل الإسرائيلي، مؤكدة التزامها “الأخلاقي” تجاه “إخوانهم في جبل العرب”، في خطاب يبدو محمّلاً بإشارات تصعيدية تجاه دمشق أكثر مما هو نابع من حرص إنساني. فتح الخطوط الساخنة، وتقديم المساعدات “العاجلة”، كلها أدوات ناعمة لتغذية بيئة غير مستقرة، وربما لدفع الأمور نحو مزيد من التفكك الأهلي والانقسام الداخلي، بما يخدم مصالح تل أبيب في إضعاف الدولة السورية من الداخل دون الحاجة إلى تدخل بري مباشر.
في المقابل، تواجه الحكومة السورية مأزقاً متعدد الجبهات: فبين محاولاتها فرض الأمن في اللاذقية وريفها، وبين التعامل مع ارتباك الجنوب المشتعل، يبدو أن النظام أمام استحقاق صعب يتعلق ليس فقط بقدرته على الحسم الأمني، بل بقدرته على احتواء التوترات الاجتماعية والسياسية التي تتفجر في كل مرة بأشكال جديدة. فالمجموعات المسلحة في الساحل ليست بالضرورة مرتبطة بمعارضة تقليدية، بل هي نتاج لانفلات محلي، تغذيه سنوات من غياب الدولة الحقيقي، وتضارب مصالح أجهزة السلطة نفسها.
تفكك سلطوي متزايد
كما أن تحرك الهلال الأحمر السوري لإجلاء مئات المدنيين من السويداء نحو درعا، وتقديم مساعدات غذائية وطبية، يحمل دلالات إنسانية، لكنه يعكس أيضاً عمق الأزمة في الجنوب، حيث بدأت مؤسسات الإغاثة تملأ الفراغ الناتج عن انسحاب الدولة أو عجزها عن التدخل في الوقت المناسب.
يبدو أن المشهد الأمني في سوريا يدخل مرحلة جديدة من السيولة، عنوانها الأبرز تفكك سلطوي متزايد وتدخلات خارجية أكثر وقاحة. وبين الغارات الإسرائيلية، وتفكك البنية الأمنية، وتنامي مجموعات السلاح غير الشرعي، تتآكل فكرة “السيادة” شيئًا فشيئًا، بينما يعيش السوريون فصولاً جديدة من القلق والخوف، ليس من حرب كبرى، بل من عدو داخلي يتخذ ألف شكل ولا يُعرف من أين سيضرب في المرة القادمة.






