في ملتقى الخليج للأبحاث الذي انعقد في جامعة كامبردج الأسبوع الماضي، بدا واضحاً أن التحولات الجيوسياسية في المنطقة تضع دول الخليج العربي أمام مشهد جديد من التحديات والفرص، حيث لم تعد هذه الدول مجرد “قوى صاعدة” كما وصفتها رئيسة مجموعة الأزمات الدولية كومفورت إيرو، بل باتت فاعلاً رئيساً في عدد من الملفات الدولية المعقدة، من أوكرانيا إلى سوريا، ومن المفاوضات النووية الإيرانية إلى أزمات أمن الخليج والعلاقة مع الغرب.
في هذا السياق، تشكل مداخلة الأمين العام المساعد للشؤون السياسية والمفاوضات بمجلس التعاون الخليجي عبدالعزيز العويشق مرآة لموقف دول الخليج، التي تسعى لفرض حضورها في الساحة الدولية، خصوصاً في ما يتعلق بإيران والملف النووي، وفي الوقت نفسه تندد بالانفلات الإسرائيلي الذي بات يتجاوز حدود قطاع غزة ليمس أمن دول الجوار ويهدد مرحلة التحولات الإقليمية، ولا سيما في سوريا.
إيران بين الشراكة والتوجّس
تبدو العلاقة مع إيران شديدة التعقيد. فمن جهة، تشير التصريحات الخليجية إلى انفتاح على تحسين العلاقات، وهو ما تعزز في الأشهر الأخيرة خصوصاً بعد الانتخابات الإيرانية التي حملت الرئيس مسعود بزشكيان إلى السلطة، وتصريحاته التي أبدى فيها استعداداً لـ”فتح صفحة جديدة” مع جيرانه الخليجيين. إلا أن هذا الانفتاح يصطدم بأحداث أمنية حادة مثل الهجوم الإيراني على قاعدة العديد في قطر في يونيو 2025، الذي هزّ ثقة دول الخليج في نوايا طهران، وأعاد التوجس إلى واجهة العلاقات.
بحسب العويشق، فإن المشكلة الجوهرية في العلاقات مع إيران لا تقتصر على الجانب النووي، بل تتعداه إلى سلوك إيران في الإقليم، ولا سيما دعمها لجماعات مسلحة طائفية في اليمن ولبنان والعراق والبحرين، ومحاولات التأثير على التوازنات الداخلية عبر البُعد الطائفي والتدخل الأمني. ومن هنا، تأتي دعوة دول الخليج إلى إشراكها في أي مفاوضات نووية مستقبلية مع إيران، لتضمن أن الاتفاق لا يعالج فقط الجوانب التقنية من البرنامج النووي، بل يشمل أيضاً عناصر التهديد الفعلي للاستقرار في المنطقة.
ويكشف العويشق أن الولايات المتحدة، في عهد باراك أوباما، لم تكن معترضة على إشراك دول الخليج في اتفاق 2015، بل كانت متفهمة لمخاوفها، لكن الاعتراض أتى من إيران والدول الراعية للاتفاق، مثل روسيا والصين والاتحاد الأوروبي. هذا الإقصاء خلق فجوة لا تزال قائمة حتى اليوم، ويبدو أن دول الخليج تسعى جاهدة لتجاوزها، من خلال دعم الوساطة العمانية الجارية بين واشنطن وطهران.
إسرائيل.. الخطر المتروك دون مساءلة
في مقابل التوجس من إيران، تبرز مواقف دول الخليج في الملتقى بوضوح كجهة منتقدة لتصرفات إسرائيل، ليس فقط في غزة، بل في سوريا وإيران. يرى العويشق أن إسرائيل تلعب دوراً تخريبياً في الساحة السورية، عبر دعم جماعات مناوئة للنظام الجديد بعد سقوط نظام الأسد، وضرب البنية العسكرية النظامية التي يُفترض أن تكون شريكاً في الاستقرار. هذا التحليل يعكس فهماً جديداً للدور الخليجي في سوريا، الذي بات أكثر ميلاً نحو دعم الاستقرار، حتى لو كان عبر أنظمة ليست بالضرورة متوافقة مع المواقف الخليجية التقليدية.
ويذهب العويشق إلى أبعد من ذلك حين يشير إلى أن الهجمات الإسرائيلية على المنشآت الإيرانية تهدد بتقويض المسارات الدبلوماسية التي تقودها الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ففي حين كان من المتوقع أن يُرفع الملف الإيراني إلى مجلس الأمن لمعالجة تجاوزاتها ضمن الأطر القانونية الدولية، جاءت الضربات العسكرية لتمنح طهران ذريعة لتعليق تعاونها، وربما الانسحاب من اتفاق منع الانتشار النووي، ما يفتح الباب أمام مزيد من التوتر.
أوروبا تحت المجهر الخليجي
من القضايا الأخرى التي برزت بقوة في الملتقى، مسألة العلاقات الخليجية – الأوروبية، ولا سيما ما يتعلق بإعفاء الخليجيين من تأشيرة “شنغن”. هنا، بدا الاستياء الخليجي واضحاً من المماطلة الأوروبية، خاصة في ظل الوعود المتكررة دون خطوات ملموسة. وعلى الرغم من التقدم الذي تحقق عبر تمديد صلاحية التأشيرة إلى خمس سنوات، فإن الإجراءات لا تزال معقدة، وتُشكل عقبة أمام تسهيل التبادل بين الجانبين.
المفارقة أن هذا الجمود في ملف التأشيرات يُقابل برغبة أوروبية معلنة في تعميق العلاقات مع الخليج، وهو ما يعكس – بحسب تعبير بعض المشاركين في الملتقى – ازدواجية في المعايير الأوروبية، لا سيما حين يتعلق الأمر بحقوق الشعوب والتمييز الإيجابي تجاه الشركاء السياسيين.
البحرين: عقدة العلاقة الخليجية – الإيرانية
في خضم هذا المشهد، تبقى البحرين الدولة الخليجية الوحيدة التي لم تستأنف علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، وهو ما يشير إلى وجود ملفات شائكة لا تزال قائمة بين الجانبين. فبحسب العويشق، لا تزال طهران تدعم شبكات تهريب السلاح وتمويل الجماعات المتطرفة داخل البحرين، وتوظف البُعد الطائفي كأداة للتأثير السياسي. وفي المقابل، تشترط البحرين ومعها مجلس التعاون أن يتوقف هذا التدخل بشكل كامل، قبل الحديث عن استئناف العلاقات.
يعكس ملتقى كامبردج تحولاً جوهرياً في رؤية الخليج لذاته، ولدوره في السياسة الدولية. فالدول الست لم تعد تكتفي بلعب أدوار اقتصادية أو التأثير عبر النفط، بل تسعى إلى شراكات دبلوماسية فاعلة، وتطالب بمقاعدها في الطاولات الكبرى، خصوصاً تلك التي ترسم ملامح الأمن الإقليمي.
لكن هذا الطموح يصطدم بتعقيدات الواقع، سواء في ما يتعلق بإيران، أو بإسرائيل، أو حتى في التعامل مع حلفاء تقليديين كالاتحاد الأوروبي، الذي لا يزال يعاني من ثغرات في احترام مبدأ الندية. في هذا الإطار، تبدو دعوة الخليج للمشاركة في مفاوضات إيران أكثر من مجرد مطلب تقني، بل خطوة لتثبيت حضور سياسي متكافئ مع النفوذ الفعلي الذي باتت دول المجلس تمتلكه في ملفات الإقليم.






