يشير إعلان قيادة المنطقة العسكرية السادسة في اليمن عن بدء تنفيذ خطة انتشار عسكري واسعة في الطرق الصحراوية الرابطة بين محافظات مأرب والجوف وحضرموت إلى تصعيد واضح في الجهود الحكومية لمواجهة التهديدات الأمنية المتنامية، وعلى رأسها تهريب الأسلحة وتحركات المليشيات الحوثية. هذا التحرك ليس مجرد إجراء أمني روتيني، بل يعكس دينامية أمنية جديدة ترتبط بالتغيرات في توازن القوى على الأرض، خصوصاً مع تصاعد نشاط الجماعات المسلحة في تلك المناطق الحيوية جغرافياً واستراتيجياً.
ممرات آمنة للمهربين
الطرق الصحراوية الواقعة بين هذه المحافظات الثلاث ظلت لعقود شرياناً بديلاً للحركة في ظل هشاشة البنية التحتية، لكنها تحولت في السنوات الأخيرة إلى ممرات آمنة نسبياً للمهربين والجماعات الخارجة عن القانون، مستفيدين من الطبيعة الوعرة وبعدها عن نقاط التمركز الأمني الكلاسيكية. وبالنظر إلى أن هذه الطرق تقع على حدود التماس بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمليشيات الحوثية، فإن السيطرة عليها تمثل أولوية أمنية وعسكرية بالغة الأهمية.
إعلان الجيش اليمني يوم 25 يوليو عن تحذير المواطنين من استخدام هذه الطرق، سبقه بالتأكيد رصد استخباراتي وتحليلات ميدانية لوجود تحركات غير اعتيادية في تلك المسارات، ربما تتعلق بإمداد لوجستي لعناصر حوثية، أو تمرير شحنات تهريب قد تشمل أسلحة أو مواد محظورة. وهذا ما يفسر الطابع الاستباقي الذي طغى على الخطة، إذ تأتي كجزء من نهج وقائي وليس فقط كرد فعل.
تعزيز الثقة بالقوات الحكومية
أما توقيت التحرك العسكري، فيأتي في ظل توترات إقليمية أوسع، تشمل تصعيداً في البحر الأحمر من قبل الحوثيين، ومحاولات مستمرة من الجماعة لتوسيع نطاق المواجهة إلى الداخل اليمني في مناطق بعيدة عن نفوذها المباشر. وتُعد الطرق الصحراوية الرابطة بين مأرب، الجوف، وحضرموت أهدافاً مناسبة لذلك، نظراً لصعوبة ضبطها مقارنة بالمحاور الرئيسية.
زيارة مدير دائرة العمليات الحربية بوزارة الدفاع، العميد يحيى العيزري، ولقاؤه مع قائد المنطقة السادسة اللواء هيكل حنتف، يعكس وجود تنسيق عالٍ على المستوى المركزي لتنفيذ الخطة، وهو مؤشر على أن هذه الخطوة ليست محلية أو مؤقتة بل جزء من استراتيجية وطنية متكاملة لضبط الأمن وتعزيز سيطرة الدولة في المناطق المفتوحة والنائية، التي طالما كانت خارج إطار السيطرة الكاملة.
من جهة أخرى، يمثل الانتشار العسكري أيضاً رسالة للجهات الداخلية والخارجية بأن الحكومة لا تزال فاعلة على الأرض، وقادرة على تنفيذ عمليات ميدانية دقيقة رغم التحديات السياسية والعسكرية والاقتصادية. كما قد يسهم في تعزيز ثقة السكان المحليين بالقوات الحكومية، لا سيما أولئك الذين تضرروا من وجود شبكات التهريب أو انتهاكات المليشيات.
إعادة ترسيم حدود السيطرة
لكن في المقابل، تبقى فاعلية هذه الخطة مرهونة بعوامل عدة، أبرزها استمرارية الدعم اللوجستي، والتنسيق مع الأجهزة الاستخباراتية، والقدرة على الاحتفاظ بالسيطرة في ظل بيئة جغرافية صعبة وتكتيكات عدائية معقدة من قبل المهربين والجماعات المسلحة. كما أن احتمالية رد الفعل الحوثي عبر تكثيف العمليات في مناطق أخرى لا يمكن استبعادها، ما يستوجب يقظة مستمرة وتحديثًا دائمًا للخطة.
بناءً عليه، فإن عملية الانتشار في الصحارى اليمنية لا تمثل فقط محاولة لإغلاق طرق الإمداد على العدو، بل تعكس مسعى لإعادة ترسيم حدود السيطرة وفرض معادلة ردع جديدة قد تُغيّر شكل الصراع في شرق اليمن، إذا ما كُتب لها النجاح على المدى المتوسط.






