يمثل ما حدث في محافظة السويداء في يوليو 2025 مشهداً مروعاً من الانهيار الكامل للمنظومة الأمنية في سوريا، وعودة ممنهجة لأساليب القتل الطائفي المروعة، تحت غطاء من الغموض السياسي والصمت الرسمي. إن توثيق عشرات الإعدامات الميدانية عبر مقاطع مصورة، تزامناً مع تغييب متعمد لهوية المهاجمين، يكشف عن مناخ عام من الإفلات من العقاب، ويثير الشكوك حول التواطؤ أو القصور من قبل مؤسسات الدولة التي يفترض بها حماية المدنيين.
جماعات خارجة عن القانون
تعكس الفيديوهات المسربة، والتي تحققت منها وكالات مستقلة كـ”رويترز”، طبيعة عمليات إعدام بدم بارد ضد مدنيين عزّل، تمّ انتقاؤهم على أساس طائفي بحت، خصوصاً أبناء الطائفة الدرزية. المهاجمون يرتدون زيًا عسكريًا رسميًا، ويستخدمون أسلوبًا منظّمًا يوحي بأنهم ليسوا مجرد جماعات خارجة عن القانون، بل جزء من منظومة أكثر تعقيدًا قد تكون مرتبطة بجهاز الدولة أو مخترقة من جماعات مسلحة منظمة.
الصيحات الطائفية التي رافقت القتل، مثل “هل أنت مسلم أم درزي؟” و”هذا مصير كل كلب بينكم”، تؤكد أن الهوية الدينية كانت العامل الحاسم في قرار التصفية. هذه الجرائم لم تُرتكب في غياب الكاميرا، بل جرى توثيقها عن عمد، في رسالة مزدوجة: بث الرعب في نفوس الأقليات، وتوجيه خطاب سياسي طائفي مفاده أن لا أحد في مأمن بعد الآن.
فراغ أمني
أما ردود الفعل الرسمية السورية فجاءت في شكل بيانات عمومية، تبرأت فيها الدولة من المذبحة دون تقديم أسماء أو نتائج تحقيقات فعلية، مع وعود “بمحاسبة” مجهولين. هذا الغموض يعزز الرواية الشعبية التي تتهم القوات النظامية أو متحالفين معها بارتكاب الجرائم، خاصة أن الجيش دخل السويداء في ذروة التصعيد، وتضاعف عدد الضحايا بعد انتشاره.
ما يزيد من خطورة المشهد هو التوقيت والسياق السياسي العام، حيث لا تزال سوريا تحت وقع التحول السياسي الحاد منذ سقوط حكومة الأسد أواخر 2024، وتشكيل سلطة انتقالية بقيادة جماعة “هيئة تحرير الشام”، ما جعل البلاد عرضة لفراغ أمني، وصراع نفوذ بين جهات متطرفة. كما أن الجريمة تأتي بعد أشهر فقط من مجازر سابقة استهدفت الأقلية العلوية، ما يُوحي بعودة دوامة العنف الطائفي التي مزقت سوريا خلال سنوات الحرب.
من جهة أخرى، تكشف هذه الأحداث عن الانهيار شبه الكامل للثقة الشعبية في أجهزة الدولة، وانعدام الأمان في ما يفترض أنه مناطق سيطرة الحكومة أو حلفائها. كما تُبرز فشل القوى المسيطرة في ضبط المشهد العسكري، أو السيطرة على الفصائل المسلحة التي تزاوج بين الفكر الطائفي والسلوك الميليشيوي.
العنف الطائفي
يشير المشهد في السويداء إلى أن سوريا مقبلة على موجة جديدة من العنف الطائفي، حيث يغيب القانون، وتغيب العدالة، وتُرتكب الجرائم باسم الهوية. وإن لم يتم التعامل مع هذه المجازر بجدية على المستوى الوطني والدولي، فإنها لن تكون سوى مقدمة لمذابح أخرى، تدفع فيها الأقليات الثمن الأكبر. المجتمع الدولي، الذي التزم صمتًا مشينًا، مطالب اليوم بالخروج من منطق التنديد إلى أفعال ملموسة، تبدأ بتحقيق مستقل، مرورًا بضغط حقيقي على الأطراف المسيطرة، وصولاً إلى إجراءات محاسبة عادلة تضمن عدم تكرار الفظائع.
ما حدث في السويداء ليس مجرد انفجار عنف محلي، بل مؤشر خطير على تفكك الدولة السورية إلى كيانات مسلحة متناحرة، وتحوّل المدنيين إلى أهداف مباشرة في لعبة تصفية الحسابات الطائفية. وإذا لم يُكسر هذا النمط الآن، فقد يشهد التاريخ فصلًا جديدًا من الفظائع الجماعية التي بدأت تكتب من جديد في الشوارع الصامتة والبيوت المذبوحة.






