في المشهد السياسي العراقي المتجه نحو انتخابات برلمانية مقررة في نوفمبر القادم، عاد اسم حزب البعث ليطفو على السطح بكثافة، في تكرار لواحدة من أكثر الظواهر ارتباطاً بالدورات الانتخابية السابقة، وهي استدعاء “فزاعة البعث” بوصفه تهديدًا قائمًا للأمن والنظام السياسي القائم. لكن هذه العودة لا تعكس، كما يُفترض، نشاطًا فعليًا للحزب المنحل أو مؤشرات حقيقية على إعادة تنظيم صفوفه أو تسلله إلى مفاصل الدولة، بقدر ما تعبّر عن حالة من الإفلاس السياسي والتنافس الانتخابي المحموم، حيث تلجأ الأحزاب المسيطرة إلى أدوات التعبئة التقليدية لتثبيت شرعيتها وتخويف الناخبين من بدائل غير مُجرّبة.
تفكيك خلايا نائمة
رغم مرور أكثر من عقدين على سقوط نظام صدام حسين، لا يزال البعث يحتل موقعًا مركزياً في الخطاب السياسي والأمني العراقي، لكنّ مراقبين ومحللين يرون أن هذا الحضور رمزي أكثر منه واقعي، ويقتصر في أحسن الأحوال على تعاطف محدود مع تجربة الحكم السابقة، بدوافع تتعلق بالحنين لأوضاع اقتصادية وأمنية أكثر استقرارًا، أو على سبيل المقارنة الساخطة مع الحصيلة المتواضعة لأداء الطبقة السياسية الحالية. وحتى التهم الأمنية التي يُعلن عن إحباطها بين حين وآخر – مثل تفكيك خلايا نائمة أو إحباط محاولات تخريبية – كثيرًا ما يُنظر إليها بشكوك، لاسيما عندما تُساق الأدلة في شكل منشورات على مواقع التواصل أو تعليقات احتجاجية لا تتجاوز المقارنة بين الحقبتين.
هذا التوظيف السياسي للبعث يأخذ أبعادًا أكثر خطورة حين تُستخدم تهمة الانتماء إليه كسيف مسلط على رقاب المعارضين، وخصوصًا أولئك المنبثقين من انتفاضة تشرين 2019، التي مثّلت تهديدًا فعليًا لنفوذ الأحزاب الشيعية المهيمنة، لا من خارج معاقلها بل من داخلها الشعبي والاجتماعي. ومن هنا يصبح الاتهام بالبعثية أداة لإسكات أصوات المعارضة الجديدة التي يصعب وصمها بالبعيدة عن “البيئة الشيعية”، مما يزيد من حساسية التحدي السياسي الذي تمثله.
متحف يوثق أدوات التعذيب
وفي الوقت الذي يُقدّم فيه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني نفسه كوجه إصلاحي نسبيًا، يحقّق بعض التقدم على الصعيد التنموي والخدمي، يجد نفسه أيضًا مضطرًا لمسايرة الموجة العامة في استحضار البعث والتذكير بفظائع نظامه، كما فعل حين أعلن عن تحويل مقر مديرية الاستخبارات العسكرية في النظام السابق إلى متحف يوثق أدوات التعذيب التي استخدمت فيه. هذا الانخراط الرسمي يعكس رغبة الحكومة في تأكيد التماهي مع السياق السياسي السائد، وتأكيد الولاء لـ”الذاكرة الجماعية” التي صاغتها قوى ما بعد 2003.
وليس من قبيل الصدفة أن يتزامن هذا التصعيد في خطاب التخويف مع تحرّك مؤسسات الدولة، لا سيما القضاء والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، لتفعيل قوانين المساءلة والعدالة، وتحذير المرشحين من أي تمجيد لحزب البعث أو ترويج لأفكاره. فالقضاء الذي طالما استخدم كأداة لضبط المجال السياسي بعد 2003، يُعاد اليوم تفعيله لتصفية الساحة الانتخابية مسبقًا من أي “تسلل” محتمل لتيارات معارضة، حتى لو كانت مدنية أو احتجاجية الطابع، عبر حشرها في خانة البعثيين.
تحصين الطبقة الحاكمة
بهذا المعنى، فإن البعث في العراق اليوم لم يعد حركة سياسية حقيقية أو حزبًا سريًا فاعلًا، بقدر ما تحوّل إلى رمز سلبي يُستدعى بحسب الحاجة لتكريس نظام سياسي عاجز عن تجديد شرعيته بالبرامج أو الإنجازات. إنه طيف سياسي يُستخدم لا فقط لتخويف الناخب، بل أيضًا لتحصين الطبقة الحاكمة من النقد والمساءلة، في مشهد انتخابي ما زال محكومًا بلغة الماضي أكثر مما هو منفتح على أي أفق للتغيير.






