في خطوة فُهمت على نطاق واسع بأنها تحمل أبعادًا سياسية ودعائية مركّبة، أعلنت ميليشيا الحوثي بشكل رسمي عن هوية أحد أبرز قياداتها المتورطين في قتل الرئيس اليمني السابق، علي عبد الله صالح، خلال الانتفاضة التي قادها الأخير في ديسمبر 2017 ضد الجماعة. واعتبرت أوساط سياسية يمنية هذا الإعلان بمثابة اعتراف غير مباشر بالجريمة التي حاولت الجماعة التهرّب منها لسنوات، من خلال روايات متضاربة وسرديات تمويهية، لطمس المسؤولية المباشرة عن تصفية الحليف الذي انقلب عليهم في لحظة مفصلية من الحرب.
صناعة رموز قتالية
الإعلان الذي صدر عن “مؤسسة الشهداء” التابعة للحوثيين، كشف أن القيادي حسن عبد الله الجرادي كان من المشاركين البارزين في ما وصفته الجماعة بـ”إخماد فتنة ديسمبر”، في إشارة إلى الانتفاضة التي دعا إليها صالح لإنهاء هيمنة الحوثيين على مؤسسات الدولة. وبحسب المؤسسة، فقد استغرقت عملية قمع هذه الانتفاضة ثلاثة أيام فقط، وتم خلالها القضاء على من سمتهم “الخونة”، في تعبير يُعيد إنتاج خطاب الجماعة الذي يشيطن كل معارض، ويبرر تصفيته، حتى وإن كان أحد حلفاء الأمس.
ما يلفت في الإعلان ليس فقط التسمية الصريحة، بل أيضًا السياق الذي أُدرج فيه: إذ أُطلق على الجرادي لقب “جندي الله”، وهو توصيف ديني تُكثّف الجماعة استخدامه في إطار حملاتها التعبوية، خصوصًا في أوساط الفئات المستضعفة من الأطفال والفقراء ومحدودي التعليم. ويُنظر إلى هذا التوصيف باعتباره جزءًا من ماكينة دعائية تستثمر الدين في صناعة رموز قتالية تُقدَّم كأبطال إيمانيين، فيما هم في الواقع أدوات طيّعة في مشروع عنيف يهدف إلى تثبيت سلطة الجماعة بالقوة.
صراع دموي
ويأتي هذا الاعتراف المتأخر في توقيت لافت، تزامنًا مع بث قناة “العربية” لبرنامج وثائقي يسلّط الضوء على الساعات الأخيرة في حياة صالح، والمعارك التي دارت حول منزله في صنعاء. وقد استعاد الوثائقي شهادات وشواهد توثّق كيف تحوّلت الشراكة بين صالح والحوثيين إلى صراع دموي، انتهى بمقتله في 4 ديسمبر 2017، وهي حادثة لا تزال تثير جدلاً واسعًا في اليمن والمنطقة، نظرًا لما مثّلته من نقطة تحوّل في خريطة التحالفات داخل الحرب اليمنية.
توقيت الإعلان وجرأته يطرحان تساؤلات حول دوافع الحوثيين في كشف هذه المعلومات الآن، خاصة في ظل تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية على الجماعة، وتزايد حالة السخط الشعبي في مناطق سيطرتها. فبينما تصف الجماعة هذه الخطوة بأنها تكريم لـ”الشهيد”، يراها كثيرون محاولة لإعادة ترسيخ شرعية العنف السياسي تحت غطاء ديني، وتقديم المتورطين في الاغتيالات كرموز وطنية ودينية، ضمن سردية مشحونة بالشعارات التي تخلط بين المذهب والسياسة، وبين المقاومة والانقلاب.
إن إعلان الحوثيين عن هوية الجرادي، لا يُعيد فقط فتح ملف مقتل صالح، بل يكشف جانبًا من أدوات الجماعة في صناعة الرمزية داخل خطابها الداخلي، حيث يصبح القتل مشروعًا إلهيًا، والخيانة مجرد رأي سياسي يُردّ عليه بالرصاص.






