يكشف تقرير منظمة «العمل ضد العنف المسلح» عن واحدة من أخطر مظاهر الانفصال بين العدالة الدولية وسلوك الدولة الإسرائيلية، حيث تتكرس منظومة الإفلات من العقاب كأداة ممنهجة، لا كحالة عرضية أو خلل في تطبيق القانون. فحين يُقتل أكثر من 1300 فلسطيني في ظروف تدين فيها روايات شهود العيان، والتوثيق الإعلامي، والمنظمات الحقوقية، وتغلق 88% من التحقيقات العسكرية الإسرائيلية دون توجيه أي اتهام، فإننا أمام نظام يتجاوز الفشل المؤسسي ليمثل نهجًا سياسيًا واضحًا في التنصل من المسؤولية القانونية والأخلاقية.
مذابح موثقة
ما تكشفه الأرقام لا يحتمل التأويل. عشرات الحالات التي أعلن الجيش الإسرائيلي فتح تحقيقات فيها – من بينها مذابح موثقة، كاستهداف المدنيين المنتظرين في طوابير الخبز، أو مجازر مخيم رفح – لم تصل إلى محاكمات أو مساءلة. هذا النمط لا يعكس فقط انعدام الجدية، بل يكرّس ما وصفته المنظمة بـ”الإفلات المنهجي من العقاب”، عبر استخدام أدوات قانونية داخلية تضمن في النهاية حماية الجناة. وهذا يتعارض بشكل جذري مع أبسط معايير القانون الدولي الإنساني، ويقوض أي رهان على العدالة من داخل المنظومة العسكرية الإسرائيلية نفسها.
الجيش الإسرائيلي يدّعي أنه يفتح تحقيقات “بغض النظر عن مصدر الشكوى”، لكن الواقع أن أغلب هذه التحقيقات لا تخرج عن كونها فحصًا إداريًا شكليًا، يتم إغلاقه لاحقًا بدعوى “عدم كفاية الأدلة”، في تجاهل صارخ للتوثيق المستقل والميداني، بما في ذلك تقارير منظمات مثل “هيومن رايتس ووتش” و”أمنستي”، بل وحتى بعض التغطيات الإعلامية الغربية ذات المصداقية.
النقطة الأخطر في هذا السياق هي أن هذه المنظومة القانونية التي تنتهي دائمًا بعدم توجيه اتهامات، تمثل جزءًا من بنية الاحتلال، حيث القانون لا يعمل لتحقيق العدالة، بل لحمايتها من الانكشاف أمام المحاكم الدولية. فاللجوء إلى “آلية تقصي الحقائق والتقييم التابعة لهيئة الأركان” هو في ذاته نموذج على “العدالة المصممة للإفشال”، خاصة وأن هذه الآلية غير شفافة، وغير مستقلة، وتخضع في النهاية للقيادة العسكرية ذاتها.
تسويف العدالة
ما يجري هو عملية تبييض ممنهجة للجرائم، عبر قنوات قضائية تفتقر إلى الاستقلالية، وتعمل على تسويف العدالة وليس تحقيقها. ومع مضي الوقت، يصبح التراكم العددي لهذه التحقيقات المغلقة شهادة إضافية على مسؤولية الاحتلال لا فقط عن الجرائم، بل عن تدمير مبدأ المحاسبة ذاته. وبذلك، لا تقف إسرائيل فقط في موقع المتهم بارتكاب جرائم حرب، بل أيضاً كمشتبه به رئيسي في هندسة نظام قانوني يحمي الجريمة ويصادر حق الضحايا في الإنصاف.
إن استمرار غياب رد دولي حازم، بما في ذلك تفعيل اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، يعزز هذا النموذج القائم على الإفلات من العقاب، ويمنح الاحتلال غطاءً سياسياً يسمح له بمواصلة سياساته القمعية دون رادع، ما يمثل تهديداً مباشراً لفكرة القانون الدولي ذاتها.






