يتصاعد المشهد المأساوي يومًا بعد يوم في قطاع غزة، حيث الجوع يأكل أجساد الأطفال والمرض يحاصر البيوت، بينما تخرج كتائب القسام لتعلن استعدادها لتسليم مساعدات غذائية وطبية للأسرى الإسرائيليين لديها، بشرط أن تفتح إسرائيل الممرات الإنسانية بشكل دائم، وأن توقف طلعاتها الجوية أثناء عمليات التسليم. هذه الرسالة، التي قد تبدو إنسانية في ظاهرها، تكشف في جوهرها عن محاولة مكشوفة لتسييس المعاناة وتحويل المأساة الجماعية إلى ورقة مساومة في لعبة المصالح السياسية والعسكرية.
مقايضة تلمّع صورة حماس
في وقتٍ يعيش فيه أكثر من مليون طفل وامرأة في غزة تحت خط الجوع، ويُحرم فيه السكان من الغذاء والماء والدواء، تضع قيادة حماس شروطًا تفضيلية مقابل السماح بتمرير بعض المساعدات لأسرى عسكريين من جنود الاحتلال. الشرط الأساسي: فتح الممرات الإنسانية، لا من أجل أبناء القطاع فحسب، بل في إطار مقايضة تلمّع صورة حماس أمام المجتمع الدولي، وتضعها في موقف “المتعاطف المسؤول” رغم دورها الرئيسي في إطالة أمد الكارثة.
يبدو أن حماس تحاول من خلال هذه المبادرة تصدير خطاب مزدوج: فهي من جهة تندد بتجويع الاحتلال للشعب الفلسطيني، ومن جهة أخرى ترفض منح الأسرى الإسرائيليين “امتيازًا خاصًا”، متذرعة بأنهم يعيشون الظروف نفسها التي يعيشها سكان القطاع. إلا أن هذا التبرير ينقلب ضد أصحابه، إذ يفضح بوضوح عمق الأزمة الإنسانية في غزة، ويعترف، بشكل غير مباشر، بأن الجوع والحرمان في القطاع أصبحا معيارًا طبيعيًا لا استثناء فيه. وهنا تكمن الخطورة: تجريد الناس من أبسط حقوقهم حتى يُساوى الجندي المحتل بالطفل الجائع، وتتحول حياة الفلسطينيين إلى أداة في خطاب الردع والمقايضة.
حماس تتحمل المسؤولية
اللافت أن حماس، التي تدين الاحتلال على مطالبه بـ”امتيازات” لأسرى حربه، لا تُبدي في المقابل أي نية لتحسين حياة السكان الذين تزعم تمثيلهم. لا تترافق تصريحات أبو عبيدة مع أي إعلان داخلي عن توزيع مساعدات طارئة أو تخفيف للسيطرة الأمنية أو الاقتصادية على حياة الناس، بل على العكس، تتوالى التقارير عن تكدّس المساعدات، وسوء إدارتها، واحتكار توزيعها، دون تدخل حقيقي من الحركة لضمان العدالة أو التوزيع المنصف.
تُحمّل حماس الاحتلال الإسرائيلي وحده مسؤولية الجوع، متجاهلة دورها المباشر في إفشال العديد من المبادرات الإنسانية، وتعطيل دخول المساعدات، واستخدامها سياسياً ضمن مفاوضات التهدئة أو تبادل الأسرى. فبدلاً من أن تكون طرفًا ضاغطًا لتسريع وصول الغذاء إلى كل بيت في غزة، اختارت أن تكون جزءًا من لعبة الشروط والتوقيتات، حيث لا يصل شيء إلا عندما يخدم خطابها السياسي أو يرفع رصيدها التفاوضي.
أما على الضفة الأخرى، فإن خطاب نتنياهو لا يخلو من الديماغوجية، لكنه يعكس بشكل ما تناقضًا داخليًا في طريقة تعاطي الطرفين مع الملف الإنساني. نتنياهو، المتهم نفسه باستخدام الحصار والتجويع كسلاح ضد المدنيين، يطالب الآن بتقديم الغذاء والرعاية لأسرى بلاده، في وقتٍ يتجاهل فيه مسؤولية حكومته عن انهيار القطاع، سواء عبر الحصار الطويل أو العمليات العسكرية العنيفة التي حوّلت غزة إلى ركام.
المجاعة أداة سياسية
لكن الخطأ لا يُبرر بخطأ، وما يحدث من قبل حماس هو استثمار مريع في الكارثة، يجعل من المجاعة أداة سياسية بدل أن تكون دافعًا لتغيير المسار. وبينما ينهار القطاع تحت وطأة الحرب والحصار وسوء الإدارة، تُواصل قيادة حماس إدارة المشهد بأدوات المناورة لا الحماية، وبمنطق “الصمود الخطابي” لا الحد الأدنى من المسؤولية.
بقاء غزة في قبضة الموت البطيء لا يتعلق فقط بالاحتلال، بل أيضًا بمن اختار أن يجعل من الكارثة أداة تفاوض، وأن يُفرّق بين “جائع وجندي” لخلق معادلة تحفظ له بعض النقاط في خطاب القوة. والأسوأ أن هذا يحدث بينما القطاع يغرق، لا في الحصار فقط، بل في غياب البوصلة الأخلاقية.






