يأتي إعلان عائلات الأسرى الإسرائيليين عن إضراب شامل في 17 أغسطس، ليشكّل تصعيداً نوعياً في أدوات الضغط الشعبي على الحكومة الإسرائيلية، ويكشف في الوقت ذاته عمق الفجوة بين هذه العائلات وقيادة بنيامين نتنياهو. فالتحرك، الذي يصفه القائمون عليه بأنه “شلّ كامل للاقتصاد ليوم واحد”، لا يستهدف فقط المطالبة بإنقاذ الأسرى المحتجزين في غزة، وإنما يتضمن – في مضمونه السياسي – رسالة مباشرة برفض استمرار الحرب واحتلال القطاع، كما قررته الحكومة الإسرائيلية.
ورقة ضغط سياسي
انضمام شخصيات سياسية من تيارات مختلفة، مثل رئيس الحزب الديمقراطي يائير جولان وزعيم المعارضة يائير لابيد، إلى هذه الدعوة، يعكس انتقال قضية الأسرى من كونها ملفاً إنسانياً أو تفاوضياً بحتاً، إلى أن تصبح ورقة ضغط سياسي داخلي تهدد تماسك الجبهة الداخلية. ويشير ذلك أيضاً إلى أن الانقسام حول إدارة الحرب والتعامل مع ملف الأسرى بات يتجاوز الخلافات الحزبية التقليدية، ليمس شرعية القرارات الحكومية.
تؤكد تصريحات والدة أحد الأسرى، أنات إنجرست، والتي دعت لكسر الصمت، أن الإضراب يهدف إلى كسر جدار اللامبالاة في الأوساط السياسية والاقتصادية الإسرائيلية. فخطابها الذي يحمّل المسؤولية لصناع القرار وأصحاب النفوذ الاقتصادي، يوحي بأن العائلات ترى في القطاع الخاص والمؤسسات الكبرى قوة ضغط لم تُستثمر بعد بشكل كافٍ، وأن تحريكها قد يجبر الحكومة على تعديل سياساتها أو التسريع في صفقة تبادل الأسرى.
فرض مفاوضات عاجلة
كما أن طريقة تنفيذ الإضراب – “من القاعدة إلى القمة” – تكشف عن استراتيجية منظمة تعتمد على تعطيل العمل في الشركات والمؤسسات ولجان العمال، بما يضر مباشرة بالمؤشرات الاقتصادية، في محاولة لإيصال رسالة أن استمرار الحرب لا يدفع ثمنه الجنود والعائلات فقط، بل الاقتصاد والمجتمع الإسرائيلي بأسره.
على المستوى الأوسع، يحمل هذا التحرك دلالة على تصاعد الإحباط داخل المجتمع الإسرائيلي من طول أمد الحرب، وتآكل الثقة بقدرة الحكومة على حسم الملفات المعقدة، وعلى رأسها ملف الأسرى. كما يشير إلى أن الضغوط الداخلية، إذا اتسعت واستمرت، قد تتحول إلى عنصر مؤثر في رسم ملامح المرحلة المقبلة، سواء عبر فرض مفاوضات عاجلة أو حتى إعادة النظر في الاستراتيجية العسكرية في غزة.
إضراب عائلات الأسرى ليس مجرد احتجاج رمزي، بل هو تحدٍ مباشر لسياسات نتنياهو، واختبار لمدى قدرة الشارع الإسرائيلي على فرض أجندته في ظل حرب مفتوحة وتوازنات سياسية حساسة.






