تصريحات رئيس الأركان الإسرائيلي في جلسة الكابنت بأن خطة احتلال غزة تمثل “مصيدة موت” تشكل لحظة سياسية وعسكرية بالغة الحساسية، ليس فقط من حيث مضمون التحذير، بل أيضاً من حيث توقيته وسياقاته. هذه العبارة لم تأتِ من معارض سياسي أو ناشط مدني، بل من القائد الأعلى للجيش، وهو ما يمنحها ثقلاً خاصاً ويضعها في قلب النقاش العام الإسرائيلي حول جدوى العملية البرية الشاملة. المقارنة التي أُجريت مع حملة “الجرف الصامد” عام 2014 تكشف أن التحذيرات من التكلفة البشرية والمالية والسياسية لمثل هذا القرار ليست جديدة، بل سبق أن تسببت في تراجع وزراء مؤيدين للعملية آنذاك بعد عرض سيناريوهاتها الكارثية.
احتلال طويل الأمد
المعطيات التي تسربت، والتي تشمل توقعات بمئات القتلى في صفوف القوات، واحتلال طويل الأمد يتطلب سنوات لتأمين الأرض، وكلفة مالية ضخمة، وضرر دبلوماسي واسع، أعادت إلى الواجهة النقاش حول مدى قدرة الحكومة على تحقيق أهداف الحرب المعلنة. الاعتراف العلني لرئيس الأركان أيال زامير بهذه المخاطر، مع علمه المسبق بأن تصريحاته ستصل للرأي العام، يشير إلى أن الخلافات داخل المؤسسة العسكرية مع القيادة السياسية وصلت إلى مستوى غير مسبوق من العلنية.
ردود الفعل داخل المجتمع الإسرائيلي لم تقتصر على المعسكرات السياسية التقليدية، بل امتدت إلى عائلات الجنود والمخطوفين، وأوساط واسعة من قوات الاحتياط والجنود النظاميين، الذين أصبحوا يتساءلون عن مدى استعدادهم للمشاركة في عملية عسكرية يصفها قائد الجيش نفسه بأنها فخ قاتل. هذه الحالة تضعف ثقة الجمهور بالقيادة العسكرية والسياسية على حد سواء، وتفتح الباب أمام موجة احتجاج أوسع، خاصة إذا فشلت الحكومة في تقديم مبررات مقنعة بأن العملية ستؤدي إلى نتائج استراتيجية ملموسة.
إسرائيل تدخل مرحلة حساسة
المفارقة أن الحكومة، التي تسعى لتسويق خطتها داخلياً وخارجياً عبر وسائل الإعلام الدولية، تواجه من داخل صفوفها الأمنية أعلى درجات التشكيك. وبينما يحاول نتنياهو الدفاع عن خطه العسكري، تضع المؤسسة العسكرية العليا علامات استفهام حول الجدوى والمخاطر، وهو ما يمنح المعارضين للعملية ذخيرة سياسية وأخلاقية قوية.
تصريح “مصيدة الموت” يكتسب أيضاً بعداً أخلاقياً، إذ يضع القائد العسكري أمام معضلة: إذا كان مقتنعاً بأن العملية ستعرض قواته لمخاطر جسيمة دون جدوى، فهل يمتلك الشرعية الأخلاقية لقيادتها؟ في المقابل، تنعكس هذه المعضلة على العلاقة بين الجيش والحكومة، إذ لا يمكن لرئيس الأركان التنصل من المسؤولية إذا تم تنفيذ الخطة، حتى لو كان معارضاً لها، لأنه سيكون شريكاً مباشراً في إدارتها.
بهذا المعنى، تدخل إسرائيل مرحلة حساسة يتقاطع فيها الخلاف الاستراتيجي مع البعد الأخلاقي والضغط الشعبي، ما يهدد بتقويض وحدة الصف الداخلي، خاصة إذا استمرت الهوة بين تقديرات الجيش ورؤية القيادة السياسية للانتصار.






