البيان الصادر عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة يكشف عن بعد خطير من أبعاد الحرب الدائرة في قطاع غزة، يتمثل في استهداف متعمد أو متكرر لعناصر تأمين قوافل المساعدات الإنسانية. فالأرقام التي وردت – مقتل 46 شخصًا منذ مطلع الشهر الجاري، معظمهم من أفراد الأمن المرافقين لشاحنات الإمدادات – ليست مجرد إحصاءات، بل مؤشرات على تدهور النظام العام وانزلاق الوضع الإنساني إلى مستويات كارثية. إذ إن ضرب هذه المنظومة الأمنية البسيطة، التي تُعنى بضمان وصول الغذاء والدواء إلى المدنيين، يعني فعليًا تهديد الحق الأساسي في الحياة والبقاء، وفتح الباب واسعًا أمام المجاعة والفوضى.
انهيار أمني حول القوافل
ما يلفت النظر في البيان الأممي هو توصيفه الدقيق لدور الشرطة المدنية في غزة، باعتبارها جهة لا تشارك في الأعمال العدائية، وبالتالي فهي محمية بموجب القانون الدولي الإنساني. هذا التوصيف يضع إسرائيل في مواجهة مباشرة مع مبدأ راسخ في القانون الدولي يحظر استهداف الأفراد المكلفين بمهام إنسانية أو شرطية لا علاقة لها بالعمليات القتالية. وبالتالي، فإن تكرار الهجمات يثير شبهة “الاستهداف الممنهج”، وهو ما قد يُفسَّر على أنه سياسة لإضعاف أي تنظيم داخلي لإدارة الشأن الإنساني داخل القطاع.
ومن زاوية أوسع، فإن هذه الهجمات لا تؤدي فقط إلى مقتل عناصر التأمين، بل تخلق حالة انهيار أمني حول القوافل، ما يسمح بانتشار الفوضى والنهب وتفاقم الأزمة الإنسانية. وفي ظل وجود عشرات آلاف العائلات التي تعتمد على المساعدات كمصدر وحيد للغذاء، فإن تعطيل هذه القوافل يترجم مباشرة إلى زيادة معدلات الجوع والمرض، وربما إلى انهيار المنظومة المجتمعية برمتها.
تفكك البنية الاجتماعية والأمنية
كما أن الأرقام التي وثقها المكتب، حول استشهاد ما لا يقل عن 1760 فلسطينيًا في الفترة بين أواخر مايو ومنتصف أغسطس – بينهم نحو ألف بالقرب من مواقع مؤسسة إنسانية و766 على طول طرق المساعدات – تعكس أن الاستهداف يتجاوز حالات فردية إلى نهج واسع النطاق. هذا يثير تساؤلات حول ما إذا كانت إسرائيل تستخدم “الفوضى الإنسانية” كأداة ضغط لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية، عبر دفع المدنيين إلى الانهيار الكامل تحت وطأة الجوع وانعدام الأمن.
في الجانب الآخر، يعكس البيان الأممي تصاعد قلق المؤسسات الدولية من أن الوضع في غزة خرج عن السيطرة، بحيث لم تعد المشكلة مقتصرة على أعداد الشها والجرحى، بل على تفكك البنية الاجتماعية والأمنية التي تحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار. فحين يُحرم المدني من المساعدة ويُقتل من يحميها، يصبح الانهيار أمرًا محتمًا، وتفقد أي جهود للوساطة أو الإغاثة معناها الفعلي.
وعليه، فإن الدلالات الأعمق لهذه التطورات تكمن في أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل تحولت إلى صراع يطال البنية التحتية الإنسانية ذاتها، ما يجعل من القانون الدولي والجهود الأممية أمام اختبار حقيقي. فالعجز عن وقف هذه الانتهاكات، أو على الأقل ضمان ممرات آمنة للمساعدات، يعني أن المجتمع الدولي يقر ضمنيًا بفقدان قدرته على حماية المدنيين في واحدة من أشد الأزمات المعاصرة مأساوية.






