بين أنقاض حي الشيخ رضوان، يجلس الطفل سمير زقوت، أحد عشر عامًا، في حضن والدته، وقد غيّرت الحرب ملامح طفولته إلى الأبد. قبل أيام فقط، كان يلهو في أزقة الحي مع أصدقائه، يركض بخفة الأطفال، ويرسم على جدران منزله المتهالك أحلامًا صغيرة لا تتجاوز حدود المدرسة ولعبة كرة القدم. لكن غارة مفاجئة بطائرة مسيّرة أنهت كل ذلك، حين استهدفت منزل أسرته، فحوّلته إلى ركام، وخلّفت خلفها جرحًا غائرًا في جسد سمير الصغير: ساق مبتورة وذراع مفقودة، وألمًا لا تستطيع كلمات أمه أن تخفف وطأته.
جرح في الروح
والدته تحتضنه بعينين مثقلتين بالدموع، تهمس له بكلمات المواساة، لكنها تدرك أن مصاب ابنها ليس مجرد إصابة جسدية، بل جرح مفتوح في روحه، وفي مستقبل لم يعد يشبه المستقبل الذي حلمت أن تراه فيه. كل لمسة من يدها المرتجفة فوق كتفه الممزق تروي قصة فقدان مزدوج، ليس لبيت فقط، بل لطفولة كاملة ضاعت في لحظة انفجار.
سمير ليس حالة منفردة في غزة المحاصرة. آلاف الأطفال مثله يعيشون في دائرة الفقدان الدائم؛ بين من فقد والديه، ومن يبيت ليلته في خيمة بلا دفء، أو من يعيش بذاكرة مليئة بأصوات القصف وصور الأشلاء. الحرب على غزة لم تكتفِ بهدم الحجر، بل أخذت من هؤلاء الأطفال الأمان، وسرقت منهم أبسط حقوقهم: اللعب، التعليم، وحتى النوم بلا خوف.
قصة سمير مأساة جماعية
في مخيمات النزوح، يتردد صدى حكايات مشابهة، لأطفال يحملون في أعمارهم الصغيرة أثقالًا أكبر من قدرتهم على الاحتمال. منظمة الأمم المتحدة للطفولة تصف الوضع في غزة بأنه “جحيم حيّ للأطفال”، لكن الواقع أبشع مما تحمله التقارير. فهناك جيل كامل ينشأ على فكرة أن الحياة ليست إلا حربًا متواصلة، وأن طفولتهم مجرد جسر هش يعبرون عليه نحو مستقبل مجهول.
قصة سمير هي مرآة لمأساة جماعية، إذ تختزل ملامحها في جسده الصغير المبتور كل ما يواجهه أطفال غزة من قسوة وظلم. ومع ذلك، يظل بين أنقاض بيته حلم صغير يلمع في عينيه، حلم لا يعرف الهزيمة، يتمسك به كي يظل على قيد الأمل، في انتظار يوم تعود فيه غزة للأطفال، لا للحرب.






