دخلت الحرب في السودان عامها الثالث وسط تصاعد غير مسبوق في الكلفة الإنسانية، في وقت تعيد فيه اتهامات متزايدة باستخدام أسلحة محرمة دوليًا، من بينها السلاح الكيماوي، والذي طرح تساؤلات حادة حول فعالية آليات المساءلة الدولية وقدرتها على حماية المدنيين في واحدة من أعقد أزمات العصر الحديث.
واندلعت المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، على خلفية خلافات حادة حول ترتيبات الانتقال السياسي، قبل أن تتحول سريعًا إلى نزاع واسع النطاق تصفه الأمم المتحدة بأنه أكبر أزمة إنسانية في العالم، في ظل انهيار شبه كامل لمؤسسات الدولة والبنية التحتية.
اتهامات كيماوية وخط أحمر
وفي تقرير نشرته الصحفية الأميركية هولي مكاي على منصة “سبستاك”، كشفت عن تقارير تفيد باستخدام أسلحة كيماوية، من بينها غاز الكلور، خلال القتال الدائر في السودان، معتبرة أن غياب ردع دولي فعّال يشجع أطراف النزاع على الإفلات من العقاب، ويقوض منظومة الحظر الدولية.
كما أشار تقرير لمجلة “فير أوبزرفر” إلى أن أدلة راجعها خبراء مستقلون تُظهر احتمال استخدام أسلحة كيماوية خلال النزاع، معتبرًا أن هذه الاتهامات – في حال تأكيدها – تمثل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي، وتجاوزًا صارخًا لأحد الخطوط الحمراء في النزاعات المسلحة.
ويكتسب الأمر خطورة مضاعفة كون السودان طرفًا في اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية، ما يفتح الباب أمام تداعيات سياسية ودبلوماسية أوسع، ويزيد من تعقيد جهود التسوية واحتواء النزاع.
وبحسب التقرير، فتتيح الاتفاقية للدول الأعضاء المطالبة بإجراء عمليات تفتيش ميدانية في حال الاشتباه بوقوع انتهاكات، إلا أنه لم تتقدم أي دولة حتى الآن بطلب رسمي لتفعيل هذه الآلية، رغم خطورة الاتهامات المتداولة.
وأشار التقرير إلى أن محاولات دبلوماسية، من بينها طلبات أميركية لإجراء تفتيش، قوبلت بالرفض من الجيش السوداني، في ظل تحديات أمنية وتعقيدات جيوسياسية تعيق أي تحرك دولي فاعل.
قلق متصاعد وتساؤلات مفتوحة
وفي ظل موقع السودان الحساس ضمن توازنات إقليمية معقدة، تحذر تقارير حقوقية من أن استمرار هذا الصمت قد يؤدي إلى مزيد من الجرائم والانتهاكات، ويعمّق المأساة الإنسانية التي يعيشها ملايين المدنيين.
وتشير تقديرات منظمات معنية برصد النزاعات إلى مقتل نحو 29 ألف شخص بين أبريل 2023 وأكتوبر 2024، من بينهم أكثر من 7500 مدني قُتلوا في هجمات مباشرة، مع التأكيد أن هذه الأرقام لا تعكس سوى الحالات الموثقة.
وفي هذا السياق، رجح المبعوث الأميركي السابق إلى السودان توم بيريلو أن العدد الحقيقي للضحايا، بما في ذلك الوفيات الناتجة عن الجوع والمرض وانهيار النظام الصحي، قد يصل إلى 150 ألف شخص.
كما خلصت دراسة أعدتها كلية لندن للصحة وطب المناطق الحارة إلى وفاة أكثر من 61 ألف شخص في ولاية الخرطوم وحدها خلال عام واحد تقريبًا، بزيادة تقارب 50 بالمئة مقارنة بفترة ما قبل الحرب.
نزوح 12 مليون سوداني
جدير بالذكر أن الحرب أدت حتى الآن، إلى نزوح أكثر من 12 مليون سوداني، فيما لجأ أكثر من 4 ملايين إلى دول الجوار، بينما يواجه نحو 25 مليون شخص داخل البلاد انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، مع تأكيد حدوث مجاعة في عدة مناطق.
وفي مخيم زمزم للنازحين بدارفور، الذي كان يضم قرابة نصف مليون شخص، أفادت منظمة “أطباء بلا حدود” بأن طفلًا كان يفقد حياته كل ساعتين خلال إحدى الفترات، في مؤشر صادم على حجم الانهيار الإنساني.






