منذ اندلاع المواجهة المباشرة بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها، بدا أن طهران استطاعت في بدايات الأزمة فرض معادلة ردع جديدة، مستفيدة من شبكة حلفائها الإقليميين وقدرتها على توسيع ساحات المواجهة. غير أن تطورات الأسابيع الأخيرة تثير تساؤلات حول ما إذا كانت القيادة الإيرانية قد بالغت في تقدير هامش المناورة المتاح لها، بعدما انتقلت الهجمات من استهداف خصومها التقليديين إلى ضرب مصالح دول الخليج بصورة مباشرة.
ويرى مراقبون أن هذا التحول قد يدفع عدداً من الدول العربية إلى إعادة النظر في سياسة الحياد التي اتبعتها خلال السنوات الماضية، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على توازنات المنطقة.
الخليج بين الدبلوماسية والرد العسكري
خلال المراحل الأولى من الأزمة، فضلت السعودية وعدد من دول الخليج إعطاء الأولوية للمسار الدبلوماسي، انطلاقًا من قناعة بأن احتواء التصعيد يخدم استقرار المنطقة ويحمي المصالح الاقتصادية المشتركة.
وشهدت تلك الفترة تحركات دبلوماسية قادتها أطراف إقليمية، من بينها قطر وباكستان وسلطنة عمان، في محاولة لخفض التوتر وإيجاد تفاهمات تمنع توسع المواجهة.
لكن استمرار الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ على أهداف خليجية، إلى جانب تصاعد التهديدات للممرات البحرية، دفع بعض العواصم الخليجية إلى إعادة تقييم موقفها.
مضيق هرمز… ورقة ضغط أم مصدر تصعيد؟
يظل مضيق هرمز أحد أهم أوراق الضغط في الاستراتيجية الإيرانية، إذ يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية.
وترى دول الخليج أن أي تهديد مستمر للملاحة في المضيق يضع اقتصاد المنطقة بأكمله أمام مخاطر كبيرة، ويجعل حركة التجارة والطاقة رهينة للتوترات العسكرية.
وتشير تقارير إلى أن مقترحات لإدارة مشتركة أو ترتيبات أمنية خاصة بالمضيق لم تصل إلى نتائج ملموسة، ما أبقى الملف أحد أبرز نقاط الخلاف بين طهران وجيرانها.
جبهات متعددة
لم تقتصر التوترات على الخليج، بل امتدت إلى عدة ساحات إقليمية.
ففي اليمن، أدى تصاعد الهجمات في البحر الأحمر وباب المندب إلى زيادة المخاوف من اتساع دائرة الصراع وتأثيره على أحد أهم طرق التجارة العالمية.
وفي العراق، لا تزال الميليشيات المسلحة الموالية لإيران لاعبًا رئيسيًا في المشهد الأمني، بينما تثير الهجمات المنطلقة من الأراضي العراقية قلقًا متزايدًا لدى الدول المجاورة.
كما أن أي تصعيد في إقليم كردستان العراق قد يضيف بعدًا جديدًا للأزمة، نظرًا لحساسية التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة.
هل تغيّر الموقف السعودي؟
تشير بعض التقارير إلى أن السعودية باتت أكثر استعدادًا لاتخاذ مواقف أمنية أكثر حزمًا مقارنة بما كان عليه الوضع في بداية الأزمة.
ويرى محللون أن هذا التحول يعكس قناعة متزايدة بأن سياسة ضبط النفس وحدها لم تعد كافية لردع الهجمات أو حماية المصالح الحيوية لدول المنطقة.
وفي المقابل، لا تزال الرياض تؤكد في مناسبات مختلفة أهمية الحلول السياسية، مع الاحتفاظ بحقها في اتخاذ الإجراءات التي تراها مناسبة لحماية أمنها القومي.
قدرات عسكرية وتحالفات محتملة
تمتلك دول الخليج ترسانات عسكرية متطورة حصلت عليها خلال السنوات الماضية، خاصة في مجالات الدفاع الجوي والطيران والأسلحة الدقيقة.
ويرى خبراء أن دخول هذه القدرات في أي مواجهة واسعة قد يغير ميزان القوى العسكري، خصوصًا إذا جاء ضمن تعاون مع الولايات المتحدة أو شركاء إقليميين.
ومع ذلك، تبقى طبيعة أي تحالفات مستقبلية مرتبطة بالحسابات السياسية لكل دولة، وبمدى اتساع نطاق الصراع.
مصر والبحر الأحمر
يشكل أمن البحر الأحمر وقناة السويس أولوية استراتيجية لمصر، بالنظر إلى الأهمية الاقتصادية للممر الملاحي.
ولذلك، فإن أي تهديد مباشر لحركة الملاحة قد يدفع القاهرة إلى اتخاذ مواقف أكثر صرامة، خاصة إذا تعرضت مصالحها الحيوية لخطر مباشر.
في الوقت نفسه، تحرص مصر على الموازنة بين حماية أمنها القومي وتجنب الانخراط في صراعات إقليمية واسعة ما لم تفرض الظروف ذلك.
ماذا عن إسرائيل؟
يبقى الدور الإسرائيلي أحد أكثر الملفات حساسية في أي تصعيد إقليمي.
فبينما يرتبط التعاون العسكري بين واشنطن وتل أبيب بعلاقات استراتيجية وثيقة، فإن انضمام دول عربية إلى أي تحالف يضم إسرائيل يظل مسألة شديدة التعقيد، نظرًا للاعتبارات السياسية والإقليمية المرتبطة بالقضية الفلسطينية والرأي العام في المنطقة.
حسابات مفتوحة
يرى بعض المحللين أن اتساع رقعة المواجهة قد يزيد الضغوط على إيران إذا أدى إلى توحيد مواقف خصومها الإقليميين والدوليين، بينما يرى آخرون أن طهران لا تزال تراهن على استراتيجية الردع وتعدد ساحات النفوذ لتجنب مواجهة مباشرة واسعة.
وفي جميع الأحوال، يبقى مستقبل الأزمة مرهونًا بقرارات الأطراف المختلفة، وبقدرتها على احتواء التصعيد أو الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع قد تتجاوز حدود النزاعات الحالية.
ملاحظة تحريرية: يتضمن هذا التقرير تحليلات وتقديرات منسوبة إلى أصحابها أو إلى مراقبين، وليست حقائق مثبتة، كما أن كثيرًا من الادعاءات المتعلقة بالعمليات العسكرية والتحالفات تحتاج إلى تأكيد من مصادر رسمية أو مستقلة.






