تُعد أزمة الخبز في قطاع غزة، واحدة من أكثر صور الاختلال الاقتصادي حدة، حيث لم تعد المسألة مجرد ارتفاع في الأسعار، بل تحولت إلى مؤشر مركب على انهيار التوازن بين العرض والطلب في سوق حيوي يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي. ويكشف التراجع الملحوظ في الإنتاج، بالتوازي مع استمرار الطلب المرتفع بل وتزايده، عن أزمة هيكلية تتجاوز الأبعاد الظرفية، لتلامس عمق منظومة الإمداد والتوزيع في ظل ظروف استثنائية فرضتها الحرب.
في هذا السياق، يبرز الخبز كسلعة استراتيجية تعكس طبيعة الضغوط التي يعيشها المجتمع الغزي، إذ لم يعد متاحًا بالقدر الكافي أو بالسعر المقبول، ما أدى إلى نشوء فجوة سعرية واسعة بين السعر المدعوم والسوق الحرة، وهو ما يغذي بدوره ظاهرة السوق السوداء ويعمّق من معاناة المواطنين. هذه الفجوة لا يمكن فهمها فقط من زاوية المضاربة أو الاستغلال، بل هي نتيجة مباشرة لخلل متراكم في سلاسل التوريد والإنتاج، بدءًا من تقليص تدفق المساعدات، وصولًا إلى تعطل المخابز ونقص الوقود والمواد الأساسية.
اختلال السوق الغذائي
أزمة الخبز في قطاع غزة تمثل أحد أبرز المؤشرات الاقتصادية على اختلال السوق الغذائي، مشيرًا إلى أن تراجع كميات الخبز المنتجة بنسبة تصل إلى 30%، في مقابل بقاء الطلب مرتفعًا بل وازدياده، يؤدي بشكل طبيعي إلى ارتفاع الأسعار وظهور السوق السوداء. حسب تصريحات الاقتصادي أحمد أبو قمر لوكالة شهاب.
ما يحدث حاليًا في ملف الخبز – وفقا لأبو قمر – يعكس خللًا واضحًا بين العرض والطلب، لافتًا إلى أن سعر ربطة الخبز المدعوم من برنامج الأغذية العالمي يبلغ نحو 3 شواكل، في حين يتراوح سعرها في السوق بين 7 و15 شيكلًا، بزيادة تصل إلى 400%. فضلا عن أن تداعيات هذا الخلل امتدت إلى أسعار الدقيق، حيث ارتفع سعر كيس الطحين من 25 إلى 70 شيكلًا، بنسبة زيادة تقارب 180%، ما يعمّق من حدة الأزمة المعيشية التي تواجهها الأسر في القطاع.
وأكد المحلل الاقتصادي، أن الخبز باعتباره السلعة الأساسية الأكثر ارتباطًا بالأمن الغذائي، تحوّل إلى عبء يومي على المواطنين، خاصة في ظل تراجع مستويات الدخل واعتماد نحو 95% من الأسر في غزة على المساعدات الإنسانية. وأشار أبو قمر إلى أن جذور الأزمة لا تتعلق بالأسعار فقط، بل تمتد إلى بنية التوريد والإنتاج، فضلا عن أن تقليص عدد شاحنات المساعدات، وتعطل المخابز، ونقص الوقود، وغياب الزيوت وقطع الغيار اللازمة لتشغيل الآلات، كلها عوامل ساهمت في رفع تكلفة إنتاج الخبز قبل وصوله إلى المستهلك.
الخبز سلعة نادرة
وشدد على أنه في ظل هذه المعطيات، يصبح من الطبيعي أن يتحول الخبز من حق أساسي إلى سلعة نادرة، في ظل ضعف الإنتاج وتعطل التشغيل وغياب الرقابة، مؤكدًا أن الحل يكمن في إعادة تشغيل المخابز، وتأمين الوقود والطحين، وضبط التسرب إلى السوق السوداء.
الكميات الحالية من الخبز المدعوم لا تلبي احتياجات المواطنين، خاصة مع زيادة الاستهلاك عقب شهر رمضان. فضلا عن أن برنامج الغذاء العالمي يتحكم في كميات الدقيق الموردة للمخابز وآلية توزيعها عبر نقاط البيع، وفق خطة شهرية محددة، حسب تصريحات رئيس جمعية أصحاب المخابز، عبد الناصر العجرمي، لـ”فلسطين أون لاين”.
تشديد الرقابة على نقاط التوزيع
تقليص الكميات خلال رمضان كان متوقعاً – وفقا للعجرمي – لكن استمرار هذا التقليص بعد العيد لا يتناسب مع ارتفاع الطلب اليومي. مشددًا على وجود توجه لدى البرنامج لإعادة العمل التجاري في بعض المخابز، مع دعم الوقود، مقابل استمرار مخابز أخرى في إنتاج الخبز المدعوم بسعر 3 شواكل للربطة.
وطالب رئيس جمعية أصحاب المخابز، الجهات المختصة بتشديد الرقابة على نقاط التوزيع، لمنع التلاعب بالأسعار والحد من ظاهرة السوق السوداء. تكلفة الإنتاج تضغط على الأسعار وفيما يتعلق بارتفاع أسعار المخبوزات، أوضح العجرمي أن أسعار الطحين والوقود تمثل العامل الحاسم في تحديد التكلفة، فضلا عن أن سعر كيس الدقيق (25 كغم) ارتفع من نحو 20 شيكلاً إلى ما بين 60 و70 شيكلاً.





