لم تعد الحروب الحديثة تقتصر على الدبابات والطائرات والصواريخ، بل باتت تمتد إلى أدوات أكثر خفاءً وتأثيرًا تستهدف المجتمعات من الداخل. وفي قطاع غزة، حيث تتواصل الحرب بكل تداعياتها الإنسانية والأمنية، تبرز المخدرات كأحد أخطر الأسلحة غير التقليدية التي يُحذر مختصون وحقوقيون من توظيفها لضرب النسيج الاجتماعي واستنزاف فئة الشباب وإشاعة الفوضى داخل مجتمع يعيش أصلاً تحت وطأة الحصار والنزوح والدمار.
ومع تزايد الحديث عن شبكات تهريب تنشط في مناطق خاضعة لسيطرة الاحتلال، واتهامات لمليشيات متعاونة بالمشاركة في إدخال المواد المخدرة إلى القطاع، تتكشف أبعاد معركة أخرى تدور بعيداً عن خطوط المواجهة العسكرية المباشرة. فالقضية لم تعد مجرد جرائم اتجار أو تعاطٍ للمخدرات، بل ترتبط – وفق روايات أمنية وحقوقية – بمحاولات منظمة لإضعاف الجبهة الداخلية وتقويض عوامل الصمود المجتمعي، عبر استهداف الفئات الأكثر هشاشة في ظل الحرب.
تهديدات مباشرة للأجهزة الأمنية
وتشير معطيات أمنية وحقوقية إلى أن عمليات تهريب المخدرات شهدت تصاعداً ملحوظاً خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من حالة الفوضى التي فرضتها الحرب والانهيار الواسع في البنية الأمنية والخدمية، وبحسب هذه الروايات، لم تعد المخدرات مجرد تجارة غير مشروعة تستهدف الربح المالي، بل تحولت إلى أداة ذات أبعاد أمنية واجتماعية، يُراد من خلالها إضعاف المجتمع وإشغاله بأزماته الداخلية في ظل ظروف استثنائية يعيشها القطاع.
ومع تنامي جهود الأجهزة الأمنية لملاحقة شبكات التهريب والترويج، تعرض عدد من العاملين في مجال مكافحة المخدرات لسلسلة من التهديدات والاستهدافات المباشرة. وتؤكد مصادر أمنية أن بعض الضباط الذين لعبوا أدواراً بارزة في إحباط عمليات إدخال المخدرات وجدوا أنفسهم على قوائم التهديد والتصفية، في مؤشر يعكس حجم المصالح المرتبطة باستمرار هذه الأنشطة داخل القطاع.
وتكشف الوقائع الميدانية عن وجود مواجهة مستمرة بين الأجهزة الأمنية من جهة، والمجموعات المتورطة في التهريب من جهة أخرى، حيث تم خلال الأشهر الماضية إحباط عدة محاولات لإدخال مواد مخدرة إلى مناطق النازحين والمناطق السكنية، بعضها تم عبر وسائل تقليدية وأخرى باستخدام طائرات مسيرة ونقاط تسليم بعيدة عن أعين الرقابة.
الحرب والفوضى بيئة خصبة للانتشار
ويرى مختصون أن الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب وفرت بيئة مناسبة لانتشار المخدرات، فالنزوح الجماعي، وفقدان مصادر الدخل، وإغلاق المؤسسات التعليمية، وتراجع الخدمات الاجتماعية والنفسية، كلها عوامل ساهمت في زيادة هشاشة بعض الفئات، وجعلتها أكثر عرضة للوقوع في دائرة التعاطي أو الاستغلال من قبل شبكات الترويج.
كما أدى الضغط النفسي الهائل الناتج عن الحرب إلى ارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية، وهو ما دفع بعض الأفراد إلى اللجوء للمسكنات والعقاقير المهدئة بصورة غير منظمة، قبل أن تتطور حالات بعضهم إلى الإدمان، بحسب تقديرات مختصين في الصحة النفسية.
انخفاض الأسعار يثير المخاوف
ومن المؤشرات التي أثارت قلق الجهات المختصة خلال الفترة الأخيرة الانخفاض الكبير في أسعار بعض أنواع المخدرات داخل القطاع، وهو ما يراه مراقبون دليلاً على زيادة المعروض واتساع شبكات التوزيع. ويؤكد مختصون أن تراجع الأسعار يسهل وصول المواد المخدرة إلى فئات أوسع من الشباب، ويضاعف من مخاطر انتشار الظاهرة في بيئة تعاني أصلاً من أوضاع اقتصادية واجتماعية بالغة الصعوبة.
ولا تتوقف المشكلة عند حدود التعاطي، بل تمتد إلى ضعف الإمكانات المتاحة للعلاج والتأهيل. فقد تسببت الحرب في تدمير أو تعطيل العديد من المرافق الصحية والنفسية، كما أدت القيود المفروضة على دخول الأدوية إلى نقص حاد في العقاقير المستخدمة لعلاج الإدمان والتعامل مع الأعراض الانسحابية.
ويؤكد مختصون أن غياب برامج العلاج والتأهيل الكافية يهدد بتحول الظاهرة إلى أزمة مجتمعية طويلة الأمد، خاصة في ظل الزيادة الملحوظة في أعداد الحالات التي تبحث عن الدعم النفسي والعلاج خلال الفترة الأخيرة.
معركة تتجاوز الأمن إلى حماية المجتمع
ويجمع مراقبون على أن مواجهة المخدرات في غزة لم تعد مهمة أمنية فحسب، بل أصبحت معركة مجتمعية شاملة تتطلب تضافر جهود المؤسسات الرسمية والأهلية والصحية والتربوية. فالحفاظ على تماسك المجتمع في ظل الحرب لا يقتصر على توفير الغذاء والمأوى، بل يشمل أيضاً حماية الشباب من الوقوع في دوائر الإدمان والانحراف التي قد تترك آثاراً عميقة تتجاوز زمن الحرب نفسها.




