دخل التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان مرحلة أكثر خطورة، بعدما استهدفت غارة إسرائيلية آلية تابعة ل الجيش اللبناني على طريق الخردلي – كفرتبنيت في قضاء النبطية، ما أسفر عن مقتل ضابطين وجندي، في حادثة أثارت موجة غضب واسعة داخل لبنان، واعتُبرت تحولاً نوعياً في مسار المواجهة المستمرة على الحدود الجنوبية.
وجاءت الغارة في توقيت بالغ الحساسية، بعد ساعات فقط من حديث متزايد عن تفاهمات لبنانية – إسرائيلية برعاية أميركية في واشنطن، تتعلق بترتيبات الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من بعض المناطق الحدودية، وانتشار الجيش اللبناني فيها لضبط الأمن وتثبيت الاستقرار.
وبحسب الجيش الإسرائيلي، فإن استهداف السيارة العسكرية جاء بعد رصد “تهديد محتمل” لقواته، مشيراً إلى تلقي معلومات تفيد بأن عناصر من “حزب الله” كانوا يستعدون لإطلاق النار من المنطقة نفسها، فيما أظهر التحقيق الأولي – بحسب الرواية الإسرائيلية – وجود ضابطين وجندي داخل المركبة المستهدفة.
الجيش اللبناني ينعى ضباطه ويتهم إسرائيل بـ«العدوان الوحشي»
وأعلنت قيادة الجيش اللبناني مقتل العميد وسام صبرا، والنقيب إيلي الخوري، والجندي حسين عبد العلي غزال، مؤكدة أن الغارة استهدفت الآلية العسكرية بشكل مباشر.
وقالت القيادة، في بيان رسمي، إن “غارة عدوانية همجية إسرائيلية” استهدفت آلية عسكرية على طريق كفرتبنيت – الخردلي، معتبرة أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الجيش والشعب اللبناني يهدف إلى إفشال كل المساعي الرامية لإعادة الاستقرار ووقف إطلاق النار الشامل.
وشدد البيان على أن المؤسسة العسكرية ستواصل أداء مهامها رغم التصعيد، مؤكداً أن الاعتداءات المتكررة “لن تنال من عزيمة الجيش أو من دوره الوطني في حماية لبنان”.
غضب رسمي واسع وتحذيرات من نسف الاستقرار
أثار استهداف الجيش اللبناني إدانات سياسية واسعة، وسط اعتقاد متزايد بأن إسرائيل باتت تتعامل مع المؤسسة العسكرية اللبنانية كهدف مباشر ضمن عملياتها العسكرية في الجنوب.
وأدان الرئيس اللبناني جوزيف عون الغارة بأشد العبارات، معتبراً أن الضباط والجنود الذين قُتلوا “انضموا إلى قافلة الشهداء من العسكريين والمدنيين والمسعفين والإعلاميين الذين سقطوا دفاعاً عن الجنوب”.
وأكد عون أن الاعتداء يمثل “انتهاكاً صارخاً للسيادة اللبنانية والقوانين الدولية”، مشيراً إلى أن التصعيد الإسرائيلي المستمر يهدد الأمن والاستقرار في الجنوب، رغم الجهود السياسية والدبلوماسية الجارية لاحتواء الأزمة.
كما دعا المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته، والعمل على وقف الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، وضمان تنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة.
من جهته، شدد رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري على أن ما جرى “ليس خطأً أو شبهة كما تحاول إسرائيل تصويره”، بينما وصف رئيس الحكومة نواف سلام استهداف العسكريين بأنه “جريمة موصوفة واستهداف لكل اللبنانيين”.
هل أصبح الجيش اللبناني ضمن «بنك الأهداف»؟
وترى مصادر عسكرية لبنانية أن الغارة تحمل رسائل تتجاوز البعد العسكري المباشر، معتبرة أن إسرائيل تسعى إلى تعطيل مهمة انتشار الجيش اللبناني في المناطق التي يُفترض أن تنسحب منها القوات الإسرائيلية مستقبلاً.
وأكد مصدر عسكري لبناني أن الاعتداءات الإسرائيلية على الجيش وقوات “اليونيفيل” تشير إلى رفض إسرائيلي لوجود أي جهة قادرة على توثيق الانتهاكات أو ملء الفراغ الأمني في الجنوب بعد أي انسحاب محتمل.
وأشار المصدر إلى أن استهداف الضباط الثلاثة جاء بعد نجاح الجيش اللبناني في الانتشار السريع داخل بلدة دبّين عقب انسحاب القوات الإسرائيلية منها، معتبراً أن تل أبيب لا ترغب في تمكين الجيش اللبناني من تثبيت حضوره جنوباً.
كما لفت إلى أن ما تتعرض له المؤسسات الرسمية اللبنانية لا يختلف عن الاستهداف اليومي الذي يطال المدنيين وقرى الجنوب، في ظل استمرار الغارات والتوغلات العسكرية.
غارات متواصلة وإنذارات إخلاء تثير الذعر
ميدانياً، واصلت إسرائيل توسيع نطاق عملياتها الجوية على بلدات الجنوب اللبناني، حيث شن الطيران الحربي سلسلة غارات استهدفت بلدات أنصارية، صديقين، كفرحونة، سجد، عرمتا، إضافة إلى مناطق قرب صور والنبطية.
وأفادت وسائل إعلام لبنانية بسقوط قتلى وجرحى جراء الغارات، بينما استهدفت إحدى الضربات فرق إسعاف كانت تعمل في إحدى المناطق المنكوبة.
وفي بلدة السكسكية، أسفرت غارة إسرائيلية عن مقتل ستة أشخاص وإصابة أربعة آخرين، فيما قُتل شخص آخر إثر استهداف سيارة في بلدة دير الزهراني.
وترافق التصعيد العسكري مع إنذارات إسرائيلية لسكان بلدة أنصارية تطالبهم بإخلاء المنطقة والتوجه شمال نهر الزهراني، ما أدى إلى موجة نزوح جديدة وسط مخاوف من توسع العمليات العسكرية خلال الأيام المقبلة.
الجنوب اللبناني على حافة مرحلة أكثر اشتعالاً
ويرى مراقبون أن استهداف الجيش اللبناني بهذا الشكل العلني يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوتر، خاصة أن المؤسسة العسكرية كانت تُعتبر حتى وقت قريب خارج دائرة الاستهداف المباشر.
ويثير هذا التطور مخاوف متزايدة من انهيار التفاهمات السياسية والأمنية التي جرى الحديث عنها مؤخراً، خصوصاً مع استمرار الضربات الإسرائيلية واتساع رقعة المواجهة في الجنوب.
وفي ظل التصعيد المتسارع، تبدو الساحة اللبنانية أمام اختبار بالغ الخطورة، بين محاولات احتواء الانفجار الأمني، واحتمالات انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع قد تتجاوز الحدود الجنوبية للبنان.




