أثار اعتذار الرئيس السوري أحمد الشرع لأهالي محافظة دير الزور تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، بعد الجدل الذي رافق تصريحات والده الدكتور حسين الشرع خلال مقابلة تلفزيونية، والتي اعتبرها كثيرون مسيئة وتحمل إيحاءات مناطقية تجاه أبناء المحافظة.
وبحسب ما تم تداوله، بادر الرئيس السوري إلى إجراء اتصال هاتفي مع محافظ دير الزور وعدد من وجهاء المحافظة، ناقلاً اعتذاره الشخصي عما تسبب به الجدل، في محاولة لاحتواء حالة الغضب التي انتشرت على مواقع التواصل.
ونُقل عن الشرع قوله خلال الاتصال: “كلام الوالد جرحني قبل ما يجرح أهل الدير، حقكم محفوظ وخليهم يمسحوها بلحيتنا”، وهي العبارة التي لاقت انتشاراً واسعاً بين السوريين وتصدرت النقاشات على المنصات الرقمية.
ماذا قال حسين الشرع؟
وكان الدكتور حسين الشرع قد تحدث خلال مقابلة تلفزيونية عن بعض الظواهر الاجتماعية والمناطقية في سوريا، في سياق حديثه عن الانقسامات التي شهدها المجتمع السوري خلال العقود الماضية.
غير أن مقتطفات متداولة من اللقاء أثارت موجة انتقادات حادة، إذ اعتبرها ناشطون نوعاً من “التنمر المناطقي” بحق أهالي دير الزور، بينما رأى آخرون أن التصريحات أُخرجت من سياقها الحقيقي.
إشادة واسعة بطريقة تعامل أحمد الشرع
عدد كبير من السوريين اعتبروا أن مبادرة الرئيس أحمد الشرع إلى الاعتذار شخصياً تمثل سلوكاً سياسياً وأخلاقياً نادراً في المنطقة، خاصة في ظل تاريخ طويل من غياب الاعتراف بالأخطاء من قبل المسؤولين.
وكتب ناشطون أن “الزلة وقعت، لكن الاعتذار يجبر الخواطر”، معتبرين أن ما حدث يعكس “لغة مختلفة في إدارة العلاقة مع الناس”، تقوم على احترام كرامة المواطنين والتعامل مع حساسياتهم الاجتماعية بجدية.
كما رأى آخرون أن طريقة تعامل الشرع مع الأزمة تحمل رسائل تتعلق بصورة “سوريا الجديدة”، التي تحاول، بحسب تعبيرهم، ترميم الثقة بين الدولة والمجتمع بعد سنوات طويلة من الانقسامات والصراعات.
“مشهد غير معتاد” في السياسة السورية
في المقابل، قارن معلقون بين هذا المشهد وما وصفوه بـ”ثقافة الإنكار والتعالي” التي طبعت الحياة السياسية السورية لعقود، حيث اعتاد السوريون – بحسب تعليقات متداولة – على مسؤولين “لا يعتذرون مهما كانت الأخطاء أو حجم المعاناة”.
واعتبر ناشطون أن اعتذار أحمد الشرع حمل بعداً إنسانياً مؤثراً، لأنه أظهر استعداداً للاعتراف بالخطأ والاقتراب من مشاعر الناس بدلاً من تجاهلها أو التقليل منها.
وأشار البعض إلى أن المجتمعات “لا تبحث عن قادة معصومين من الخطأ، بل عن مسؤولين يشعرون بوجع الناس ويحترمون كرامتهم”.
حسين الشرع يوضح ويعتذر رسمياً
من جهته، نشر حسين الشرع اعتذاراً رسمياً عبر حسابه على فيسبوك، مؤكداً أن المقاطع المتداولة من المقابلة تعرضت – بحسب وصفه – إلى “دبلجة ومونتاج” أخرجت كلامه من سياقه الأصلي وأظهرت الحديث بطريقة توحي بالإساءة غير المقصودة لأهالي دير الزور.
وأوضح أن حديثه كان يدور حول الانقسامات الاجتماعية التي غذّاها حزب البعث بين الريف والمدينة في سوريا، مشيراً إلى أن هذه الظواهر ليست مرتبطة بمحافظة بعينها، بل موجودة في أكثر من منطقة سورية.
أصوات من دير الزور تدعو لطي الصفحة
وفي خضم الجدل، دافع عدد من أبناء دير الزور عن حسين الشرع، مؤكدين أن متابعة الحلقة كاملة تُظهر أن الإساءة لم تكن مقصودة، وأن الحديث جاء في إطار توصيف واقع اجتماعي موجود بالفعل.
وقال أحد المعلقين من أبناء المحافظة إن “الفوقية بين الريف والمدينة لا تزال موجودة للأسف في بعض البيئات السورية”، معتبراً أن الدكتور حسين الشرع كان يتحدث بعفوية عن هذه الظاهرة، وليس بقصد الانتقاص من أهالي دير الزور.
كما أشار آخرون إلى أن للشرع مواقف سابقة أشاد فيها بأبناء المحافظة وتحدث عن علاقاته وصداقاته مع شخصيات من دير الزور.
دعوات لقبول الاعتذار وتجاوز الأزمة
وفي نهاية النقاشات، برزت دعوات واسعة إلى احتواء الجدل وطي الصفحة، خاصة بعد صدور الاعتذارين من الرئيس السوري ووالده.
ورأى كثيرون أن الاعتذار “من شيم الكبار”، وأن قبول الاعتذار يمثل بدوره جزءاً من أخلاق المجتمع السوري وقيمه العشائرية والاجتماعية، مؤكدين أن الخطأ وارد، لكن طريقة التعامل معه هي ما يصنع الفارق الحقيقي في نظر الناس.




