جاء اغتيال عز الدين الحداد، القائد العام لـ«القسام»، ليشكل محطة فارقة في مسار المواجهة الدائرة داخل قطاع غزة، خاصة مع ما يحمله الرجل من ثقل عسكري وتنظيمي ودور محوري في إدارة معارك الحركة منذ سنوات طويلة، وصولًا إلى إشرافه على هجوم السابع من أكتوبر.
عملية اغتيال الحداد جاءت في توقيت بالغ الحساسية، يتزامن مع تعثر مفاوضات وقف إطلاق النار، وتصاعد الضغوط الإسرائيلية والأميركية المتعلقة بملف سلاح المقاومة ومستقبل حكم غزة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول أهداف الاغتيال وتداعياته على المشهد الميداني والسياسي، في وقت تبدو فيه إسرائيل ماضية نحو مرحلة أكثر تصعيدًا في القطاع، وسط مخاوف فلسطينية من عودة الحرب بوتيرة أشد دموية واتساعًا.
من هو عز الدين الحداد؟
الحداد البالغ من العمر 56 عاماً، يعد من الرعيل الأول في «كتائب القسام»؛ إذ تدرَّج في قياداتها من ناشط ميداني بارز، إلى قيادة كتيبة «التفاح والدرج» لفترة قصيرة، ولفترة مماثلة قاد كتيبتَي «الزيتون» و«الشجاعية»، ومنها إلى قائد تخصصات عسكرية عدة في «الكتائب»، إلى أن أصبح قائداً لـ«لواء غزة» بعد أن اغتالت إسرائيل القائد السابق، باسم عيسى، في مايو (أيار) 2021، ليصبح لاحقاً قائداً عاماً لـ«الكتائب» بعد اغتيال محمد السنوار في مايو 2025.
وحسب مصادر من حماس، لفترة ليست بالقصيرة، عمل الحداد أميناً لسر مجلس «كتائب القسام» العسكري، وكان شخصية مقربة من كثير من قيادات الحركة، منهم خليل الحية ومحمود الزهار، كما ربطته علاقة مميزة بمحمد الضيف، وأحمد الجعبري، ورائد سعد، وشخصيات أخرى، وفقا لـ الشرق الأوسط.
وكان الحداد الشخصية الأبرز في «كتائب القسام» داخل قطاع غزة، بعد اغتيال إسرائيل القيادات الأخرى من المجلس العسكري، ومنهم قائد «الكتائب» السابق محمد الضيف، ومحمد السنوار الذي تولى قيادة الكتائب لاحقاً، بينما كان قد سبقهم مروان عيسى نائب الضيف، والذي اغتيل بداية الحرب على القطاع.
ولعب الحداد دوراً مهماً في هجوم «7 أكتوبر»، وقاد غالبية الهجوم في مدينة غزة ضد المواقع الإسرائيلية شرقاً، وكذلك بعض الهجمات الصاروخية، وأشرف من غرفة العمليات بنفسه على الهجوم الأول الذي استهدف قاعدة «ناحال عوز» العسكرية التي كانت مليئة بالجنود.
تحركات الحداد في غزة قبل اغتياله
كما لعب دوراً بالإشراف بشكل مباشر على عملية صناعة قذائف «الياسين 105» وزيادة إنتاجها قبل ذلك الهجوم، والتي استخدمتها «حماس» بكثرة خلاله، وكذلك خلال الحرب الأخيرة، وكبَّدت من خلالها القوات الإسرائيلية خسائر بشرية ومادية، كما أنه أشرف على سلسلة تدريبات لنخبة «القسام» تحاكي تنفيذ الهجوم ذاته.
ودمَّرت إسرائيل منزله في غالبية الحروب والعمليات العسكرية التي كان يشهدها قطاع غزة طوال العقود الماضية، كما لاحقته سنوات، ونفَّذت بحقه محاولات اغتيال عدة أصيب في بعضها بجروح، ومنها خلال الحرب الأخيرة التي أصيب فيها مرتين بجروح متفاوتة.
الحداد خلال الحرب على غزة – حسب المصادر – كان في مرتين على الأقل موجوداً في أنفاق كانت القوات الإسرائيلية تعمل في محيطها أو فوقها تماماً، وكان يتمكن من الخروج في كل مرة عبر شبكة الأنفاق المترابطة بعضها مع بعض ويُنقَل لمكان آمن، مشيرة إلى أنه كان يقوم بدور ميداني في تلك الأنفاق ضد تلك القوات، كما كان في بعض المرات داخل تلك الأنفاق مختطَفون إسرائيليون.
الحداد كان يشارك ميدانياً عناصر «القسام» والقادة الميدانيين، في خطط لمهاجمة الجيش الإسرائيلي، في وقت كان الأخير يبحث عنه في مناطق أخرى، مبينة أنه خلال فترة وقف إطلاق النار السابقة التي دخلت حيز التنفيذ في يناير (كانون الثاني) 2025، وبعد أيام من بدئها، ظهر الحداد في كثير من الأماكن داخل مدينة غزة وشمالها، والتقى بقيادات وعناصر من «القسام» وجهاً لوجه.
الشبح قائد عملية تأهيل الحداد
واتهمت إسرائيل الحداد الذي تلقبه بـ«الشبح»، بأنه كان من قاد عملية تأهيل «القسام» في شمال قطاع غزة، خلال فترة الحرب، بعد عمليات عسكرية مطولة في جميع مناطقها، وقَتْل آلاف من قادة وعناصر «الكتائب». كما اتهمته مراراً وتكراراً بأنه أشرف إلى جانب قادة من «كتائب القسام» على عمليات تأمين عدد كبير من المختطفين الإسرائيليين خلال الحرب، وقد أحاط نفسه بهم، بينما أكد بعض من أُفرج عنهم لاحقاً ضمن صفقات تبادل، أنهم كانوا برفقة الحداد في أماكن مختلفة، وأنهم التقوه وجهاً لوجه 5 مرات على الأقل.
وخلال ملاحقته، قتلت إسرائيل نجله الأكبر صهيب، في عملية قصف طالته قبل أيام من دخول وقف إطلاق النار الأول في يناير 2025 حيز التنفيذ، بينما قتلت نجله الآخر مؤمن في أبريل (نيسان) من العام نفسه؛ حيث قُتل برفقته محمود أبو حصيرة، زوج ابنة الحداد، والذي كان يعمل مرافقاً له.
وصهيب ومؤمن هما الابنان الوحيدان له من الذكور، بينما كانت حفيدته قد قُتلت في غارة أخرى استهدفت عائلته. وقُتل برفقة الحداد في الغارة التي استهدفته مساء الجمعة زوجته وإحدى بناته، حيث كان الحداد في زيارة هي الأولى منذ أشهر لزوجته وبناته اللواتي يعشن في شقة سكنية مستأجرة. وحسب مصدر مطلع، فإنه نادراً ما كان يلتقي بأفراد عائلته لوقت قصير مرة واحدة كل عدة أشهر، خلال فترة الحرب.
رد فعل حماس عقب اغتيال الحداد
وجاءت عملية اغتيال الحداد في وقت تنهي فيه حركة «حماس» انتخاب رئيس مكتبها السياسي الجديد، وهو الأمر الذي من المفترض أن ينتهي يوم الأحد المقبل، بتحديد شخصية الرئيس الجديد. وقالت مصادر من «حماس»، إن عملية الاغتيال لن تؤثر على الانتخابات، وقد تعلن النتائج في أي لحظة، وقد يتم تأخيرها بسبب عملية الاغتيال، ولكن الانتخابات تعتبر انتهت، وتُنتظَر فقط النتائج.
وأوردت صحيفة “معاريف” العبرية، نقلاً عن أجهزة الأمن الإسرائيلية قولها، إن الحداد كان الهدف المركزي المتبقي على قائمة الاغتيالات التي تشرف عليها شعبة الاستخبارات العسكرية وجهاز الأمن العام (الشاباك). كما ان هناك قيادات أخرى لحماس في الخارج، أن متابعتهم تقع تحت إشراف الموساد وبقرار سياسي من المستوى الأعلى.
الاحتلال الإسرائيلي اغتال خلال العدوان منذ السابع من أكتوبر 2023 عدداً كبيراً من قيادات حركة حماس و”القسام”، على رأسهم القائد العام محمد الضيف إلى جانب كل من محمد السنوار الذي خلفه، مع كل من رئيسي المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية ويحيى السنوار وصالح العاروري.
وبعد التوصل إلى اتفاق شرم الشيخ المبرم بموجب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في العاشر من أكتوبر 2025، نفذ الجيش الإسرائيلي اغتيالات لقيادات عدة في “القسام”، لعل أبرزهم رائد سعد الذي كان مسؤولاً عن ركن التصنيع العسكري في الذراع العسكرية لحركة حماس، يوم 13 ديسمبر الماضي، بعد مطاردة امتدت لنحو 35 عاماً. وسبق عملية اغتيال سعد، اغتيال علاء الحديدي؛ إحدى القيادات الفاعلة في “القسام” في ركن التصنيع والمسؤول عن الإمداد والتسليح، في نوفمبر/ تشرين الأول الماضي، بقصف سيارته غربي مدينة غزة.
الاحتلال يستهدف تدمير المفاوضات
عملية اغتيال عز الدين الحداد تأتي في سياق محاولة إسرائيلية لخلط أوراق المقاومة الفلسطينية في لحظة تفاوضية شديدة الحساسية، وتهدف إلى ممارسة أقصى درجات الضغط على قيادة المقاومة وإرباك حالة “الصلابة التفاوضية” التي تبديها وفود الفصائل الفلسطينية خلال المفاوضات الجارية في القاهرة. حسب تصريحات مدير مركز عروبة للأبحاث والدراسات الاستراتيجية أحمد الطناني لـ العربي الجديد.
أضاف الطناني أن “الاحتلال يسعى من خلال هذه العملية إلى تحميل المقاومة مسؤولية أي تصعيد مقبل، رغم أن المؤشرات كافة كانت تدل على أن إسرائيل تتجه نحو التصعيد، بغضّ النظر عن نتائج جولات التفاوض، في ظل غياب أي استعداد حقيقي لديها لتقديم تنازلات أو الالتزام باستحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار. عملية الاغتيال سبقها تمهيد عبر الإعلام العبري من خلال الحديث عن تعاظم قدرات المقاومة في قطاع غزة”.
اغتيال عز الدين الحداد – وفقا لـ الطناني – “سبقتها عملية تمهيد إعلامية وسياسية عبر الإعلام العبري والتسريبات والتصريحات الرسمية الإسرائيلية، جرى خلالها الحديث عن تعاظم قدرات المقاومة في قطاع غزة، إلى جانب التركيز المتزايد على ملف نزع السلاح”.
تفكيك البنية العسكرية للمقاومة وتحييد قطاع غزة
وأشار إلى أن نهاية شهر إبريل/ نيسان الماضي مثّلت عملياً نهاية “المهلة الضمنية” التي كانت تُطرح على المقاومة للقبول بمسارات تتعلق بنزع السلاح. وفي رأيه فإن الاحتلال كان بحاجة، بعد انتهاء تلك المهلة، إلى تنفيذ “عمل هجومي صارخ وواضح” في قطاع غزة، لافتاً إلى أن تصريحات نتنياهو، إلى جانب الممثل السامي لغزة في مجلس السلام نيكولاي ملادينوف، وفّرت “غطاءً سياسياً وإعلامياً لبدء هذه المرحلة التصعيدية”. يُذكر أن ملادينوف يكرر في تصريحاته دعوة حماس للتخلي عن السلاح، ويربط الملف بالمساعدات إلى القطاع.
وتابع: “ستحاول حكومة الاحتلال، وفق الطناني، خلال الفترة المقبلة، “حصر تبرير عدوانها على غزة في ملف السلاح، بهدف تكريس رواية مفادها أن المفاوضات تدور حصراً حول تفكيك سلاح المقاومة”. واعتبر أن نتنياهو يسعى منذ البداية إلى تقديم اتفاق وقف إطلاق النار باعتباره اتفاقاً يحقق أهداف الحرب الإسرائيلية، عبر استعادة الأسرى أولاً ثم تفكيك البنية العسكرية للمقاومة وتحييد قطاع غزة عن المشروع الوطني الفلسطيني لاحقاً”.
وفي ما يتعلق بتداعيات الاغتيال والاستهداف على كتائب القسام، قال الطناني إن البنية التنظيمية للكتائب “أعمق وأكثر تجذراً من أن تتأثر بعمليات الاغتيال”، موضحاً أن “القائد عز الدين الحداد يُعد شخصية محورية في تاريخ الكتائب وتجربتها العسكرية، إلا أن التنظيمات الفلسطينية أعادت بناء هياكلها خلال السنوات الماضية بما يضمن التعامل مع سيناريوهات الاغتيال واستيعاب أي فراغات قيادية محتملة”.
لماذا خطط نتنياهو لاغتيال الحداد؟
اغتيال عز الدين الحداد “كان يحتل أولوية لدى المستويين الأمني والعسكري في إسرائيل، إلى جانب المستوى السياسي”، معتبراً أن “القرار باغتياله محسوم منذ فترة لاعتبارات مختلفة”. فضلا عن أن الولايات المتحدة حتى لو أبدت انزعاجاً من توقيت العملية، فإنها “تتفق مع إسرائيل في الرؤية تجاه عز الدين الحداد وما يمثله”. حسب تصريحات الباحث والمختص في الشأن الإسرائيلي، عادل شديد لـ العربي الجديد.
تزامن الاغتيال – وفقا لـ شديد – “مع الظروف الحالية يمنحه دلالات سياسية وأمنية كبيرة، خصوصاً في ظل الجدل المرتبط بملف غزة وتسليم السلاح، واتهام الحداد برفض تسليم السلاح أو الانتقال إلى المرحلة الثانية قبل التزام إسرائيل باستحقاقات المرحلة الأولى”. موضحًا أن “المناخ السياسي الداخلي في إسرائيل يلعب دوراً أساسياً في هذا التوقيت، في ظل تصاعد الانتقادات الموجهة إلى نتنياهو وتحميله مسؤولية إخفاق السابع من أكتوبر”.
وتابع “نتنياهو يرى في اغتيال عز الدين الحداد فرصة لإغلاق هذا الملف ومحاولة محو العار المرتبط بمسؤوليته عن أحداث السابع من أكتوبر، وهي المسؤولية التي ما زال يرفض الاعتراف بها حتى الآن”. ورأى شديد أن اقتراب الانتخابات المقبلة (الكنيست) يزيد من حالة القلق والإحراج لدى نتنياهو، “ما يدفعه ليس فقط إلى سياسة الاغتيالات، وإنما أيضاً إلى العودة نحو مزيد من التصعيد العسكري وارتكاب المجازر في قطاع غزة”.




