فرض التصعيد الأخير بين إسرائيل وإيران واقعًا جديدًا على دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات العربية المتحدة، التي وجدت نفسها أمام معادلة معقدة تجمع بين الحفاظ على شراكتها الأمنية مع إسرائيل، وعدم خسارة قنوات التواصل مع إيران، الجار الإقليمي الذي ترتبط معه بمصالح اقتصادية وجغرافية يصعب تجاهلها.
وبينما عززت أبوظبي تعاونها الدفاعي مع إسرائيل خلال فترة التصعيد، فإنها حرصت في الوقت نفسه على إبقاء باب الحوار مفتوحًا مع طهران، في سياسة تعكس سعيها إلى تحقيق توازن بين متطلبات الأمن ومقتضيات الاستقرار الإقليمي.
أمن لا يلغي الدبلوماسية
شهدت السنوات الأخيرة توسعًا في التعاون الأمني بين الإمارات وإسرائيل، خاصة في مجالات الدفاع الجوي وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وهو تعاون اكتسب أهمية أكبر مع تصاعد التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة في المنطقة.
لكن أبوظبي، في المقابل، لم تتخل عن نهجها القائم على التواصل مع إيران، إدراكًا منها أن أي مواجهة مفتوحة في الخليج ستكون لها تداعيات مباشرة على أمنها واقتصادها، خصوصًا في ظل موقعها كمركز مالي وتجاري يعتمد على استقرار طرق الملاحة الدولية.
لماذا تحرص الإمارات على إبقاء العلاقة مع طهران؟
تنظر الإمارات إلى إيران باعتبارها دولة مجاورة لا يمكن تجاوزها في معادلات الأمن الإقليمي، كما ترتبط معها بعلاقات تجارية ممتدة رغم الخلافات السياسية.
وتدرك أبوظبي أن استمرار التوتر مع طهران قد ينعكس على حركة التجارة والاستثمارات وأسواق الطاقة، فضلاً عن أمن الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية.
لهذا، تفضل القيادة الإماراتية إدارة الخلافات عبر الحوار واحتواء التصعيد، بدلاً من الانخراط في سياسة المواجهة المباشرة.
توازن بين حليفين متنافسين
رغم استمرار التعاون مع إسرائيل في ملفات الدفاع والتكنولوجيا والاقتصاد، فإن الإمارات تتجنب الظهور كطرف في أي صراع عسكري ضد إيران.
ويعكس هذا النهج اختلافًا في الأولويات بين أبوظبي وتل أبيب؛ فبينما تركز إسرائيل على احتواء النفوذ الإيراني باعتباره تهديدًا استراتيجيًا طويل الأمد، تنظر الإمارات إلى الاستقرار الإقليمي باعتباره أولوية تمس أمنها الداخلي ومصالحها الاقتصادية بصورة مباشرة.
تراجع الاعتماد على المظلة الأمنية التقليدية
دفعت التحولات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة دول الخليج إلى إعادة تقييم سياساتها الأمنية، خاصة مع تراجع الثقة في قدرة القوى الدولية على توفير حماية كاملة لحلفائها في المنطقة.
وفي هذا السياق، اتجهت الإمارات إلى تنويع خياراتها، عبر الجمع بين تطوير قدراتها الدفاعية، وتعزيز شراكاتها الأمنية، والانفتاح في الوقت ذاته على الحوار مع الخصوم الإقليميين، وفي مقدمتهم إيران.
سياسة تقوم على إدارة المخاطر
تكشف السياسة الإماراتية تجاه إيران عن مقاربة براغماتية تقوم على الفصل بين الخلافات السياسية والمصالح الاستراتيجية. فالتعاون مع إسرائيل لا يعني قطع العلاقات مع طهران، كما أن الحوار مع إيران لا يترجم إلى تراجع في الشراكات الأمنية التي بنتها أبوظبي خلال السنوات الأخيرة.
وبين هذين المسارين، تحاول الإمارات الحفاظ على هامش واسع من الحركة، يتيح لها حماية مصالحها الاقتصادية، وتجنب الانجرار إلى صراعات إقليمية مفتوحة، في منطقة ما تزال تشهد تغيرات متسارعة في موازين القوى.






