يمثل قرار مصرف سوريا المركزي باعتماد نظام جديد للدفع والتحويل الإلكتروني محاولة رسمية لإرساء قواعد الشمول المالي وتطوير البنية المصرفية المتهالكة. غير أن هذا الطموح التنظيمي يواجه واقعاً إقتصادياً معقداً يطغى عليه التعامل النقدي المباشر وتراجع الثقة في المنظومة المصرفية الرسمية.
فجوة التشريع والواقع التشغيلي
إطار تنظيمي موقوف التنفيذ: يضع القرار الأسس القانونية لترخيص مقدمي خدمات الدفع والنقود الإلكترونية ومشغلي الأنظمة، لكنه يظل في مرحلته الأولى محصوراً في النطاق المحلي دون ربط فوري مع المنظومات الإقليمية أو الدولية.
هشاشة البنية التحتية: تصطدم عملية التحول سوء خدمات الاتصالات والإنترنت، إلى جانب الحاجة لتطوير أنظمة الرقابة والنزاهة المالية والاستقرار المالي.
محدودية الشمول المالي: يقف غياب الثقافة البنكية عائقاً رئيسياً، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو مليوني سوري فقط يملكون حسابات مصرفية، مما يجعل الغالبية العظمى تعتمد كلياً على التعاملات النقدية والدولرة المتجذرة.
سبعية النجاح ومعادلة الثقة
يرتكز الانتقال الفعلي نحو الاقتصاد الرقمي على استيفاء 7 متطلبات رئيسية:
إيجاد إطار تشريعي ورقابي واضح ينظم عمل الشركات والمحافظ.
بناء بنية تحتية تقنية وآمنة تضمن استقرار الاتصالات وحماية البيانات ضد المخاطر السيبرانية.
ربط المصارف والمحافظ الإلكترونية وتكاملها ضمن منظومة دفع وطنية موحدة.
تحفيز التجارة الإلكترونية باعتبارها المحرك الطبيعي لعمليات الدفع الرقمي.
نشر الثقافة المالية والرقمية بين المواطنين والتجار لردم الفجوة المعرفية.
توفير بيئة موثوقة تحمي حقوق المستخدمين وتعزز أمان الأموال المودعة.
إعادة بناء ثقة الشارع بالنظام المصرفي عبر ضمان حرية السحب والإيداع دون قيود.
أفق زمني وحوافز الانتقال
تشير القراءات التحليلية، واستناداً إلى آراء الخبراء كالدكتورين رازي محي الدين وفراس شعبو، إلى أن إطلاق المنظومة بكفاءة يحتاج إطاراً زمنياً يتراوح بين 12 و24 شهراً. ويتطلب النجاح تنفيذ خطة تدريجية تبدأ بالمؤسسات والشركات الكبرى ذات الامتثال العالي، مع تقديم حوافز مشجعة كالتخفيضات الضريبية والتسهيلات الائتمانية لجذب السيولة الضخمة المتداولة خارج الجهاز المصرفي.
تُشكل منحة البنك الدولي البالغة 100 مليون دولار حجر أساس لتمويل البنية التحتية الرقمية، غير أن نجاح هذا التحول لن يُقاس بصدور القرارات أو بعدد المحافظ المسجلة، بل بمقدار النسبة الفعلية المعاملات التي ستنتقل من التداول النقدي إلى الشاشات الرقمية.






