كأن الأزمة السورية لا تكفيها تعقيداتها حتى تأتي الحسابات الدبلوماسية الخاطئة لتضيف طبقة جديدة من الغموض والتوتر. هذا ما تكشف عنه تسريبات وكالة “رويترز”، التي سلطت الضوء على ما يبدو أنه سوء تقدير استراتيجي من قبل القيادة السورية بشأن إشارات أميركية حول مركزية الدولة، اعتقدت دمشق أنها تمثل ضوءاً أخضر للتحرك في الجنوب السوري.
فقد أفادت الوكالة، استنادًا إلى ثمانية مصادر مطلعة تضم مسؤولين سوريين سياسيين وعسكريين، ودبلوماسيين اثنين، إلى جانب مصادر أمنية في المنطقة، أن الحكومة السورية فهمت الرسائل الأميركية بشكل مغاير، واعتقدت أن نشر قواتها في محافظة السويداء لن يواجَه بأي اعتراض إسرائيلي، الأمر الذي أدى إلى تصعيد ميداني غير محسوب العواقب.
الاعتقاد السائد في دمشق، وفقًا لهذه المصادر، كان أن تصريحات المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، والتي شدد فيها على رفض أي شكل من أشكال الحكم الذاتي، سواء للأكراد أو الدروز أو العلويين، تمثل موقفًا داعمًا لمبدأ استعادة الدولة المركزية لسلطتها الكاملة على الأراضي السورية، بما في ذلك الجنوب. هذا الفهم تكرّس أيضًا من خلال محادثات أمنية أولية جرت بين دمشق وتل أبيب، كان أحدثها في العاصمة الأذربيجانية باكو، حيث ظنت القيادة السورية أن التفاهمات الضمنية قد تسمح لها بإعادة بسط السيطرة على السويداء دون تدخل إسرائيلي.
لكن ما اعتبرته دمشق “تفاهمًا ضمنيًا”، لم يُقابل بذات القراءة من قبل الجانب الإسرائيلي. ففي الوقت الذي أصر فيه المتحدث باسم الخارجية الأميركية على عدم التعليق على المناقشات الدبلوماسية الخاصة، شدد مجددًا على دعم بلاده لوحدة الأراضي السورية، مؤكدًا أن الدولة السورية ملزمة بحماية جميع المواطنين، بمن فيهم الأقليات، في إشارة مبطّنة إلى أن واشنطن لم تفوّض دمشق بالتدخل العسكري في المناطق ذات الخصوصية الطائفية والسياسية.
الموقف السوري الرسمي، من جانبه، سعى إلى نفي فكرة أن القرار بنشر القوات في السويداء كان نتيجة ضوء أخضر خارجي، وأكد على أن الخطوة أتت “بناءً على اعتبارات وطنية بحتة”، تهدف إلى حماية المدنيين، ووقف دوامة العنف، ومنع تفاقم النزاع الأهلي الذي بدأ يتخذ طابعًا متوترًا في الأشهر الأخيرة.
لكن، بعيدًا عن التصريحات، يبدو أن الخطأ لم يكن في نية دمشق وإنما في قراءتها لحدود الممكن والمسموح. ففي ظل التوتر الإقليمي، والتوازنات الحساسة جنوب سوريا، فإن أي تحرك عسكري، مهما بدا مشروعًا من وجهة نظر الدولة، لا يمكن عزله عن سياقات إقليمية ودولية حساسة، خاصة عندما يتقاطع ميدانيًا مع خطوط حمراء إسرائيلية تم رسمها منذ سنوات.
حادثة السويداء تُعيد التذكير بأن المعركة في سوريا لم تعد ميدانًا للصراع الداخلي فحسب، بل ساحة متشابكة تتقاطع فيها المصالح الكبرى والخطوط الرمادية. وما حدث خلال الأيام الماضية ليس فقط نتيجة قرار عسكري، بل نتاج سوء فهم متبادل، ورسائل دبلوماسية لم تُقرأ بشكل دقيق، أو ربما، قُرئت برغبة أكثر منها بواقعية.
ولعل الدرس الأهم في كل هذا، أن الحروب لا تُدار فقط على الأرض، بل في تفاصيل اللغة، والإشارات، والهوامش الدبلوماسية التي قد تحوّل مجرّد تصريح إلى حساب خاطئ، يجر خلفه أثمانًا باهظة.






