تعيش الضفة الغربية واحدة من أكثر مراحلها توتراً منذ سنوات، بعدما صعدت قوات الاحتلال الإسرائيلي من حملات المداهمة والاعتقال في مدن وبلدات متعددة، وسط أجواء مشحونة بالخوف والغضب والترقب.
وخلال الأسبوع الماضي فقط، تحولت مناطق عدة، من بينها قلنديا وصيدا والبيرة، إلى ساحات اقتحام ليلية متكررة، رافقتها عمليات تفتيش عنيفة وإغلاق للطرقات واعتقال عشرات الفلسطينيين، في مشهد يعكس اتساع القبضة الأمنية الإسرائيلية في الأراضي المحتلة.
وكما رأينا نفذت قوات الاحتلال حملات الاعتقال بشكل مفاجئ ومكثف، حيث اقتحمت الأحياء السكنية قبيل الفجر، وداهمت منازل المواطنين بعد تفجير أبوابها وتخريب محتوياتها، فيما جرى إخضاع السكان لتحقيقات ميدانية مطولة، وشهدت بعض المناطق اشتباكات متفرقة بين شبان فلسطينيين والجنود الإسرائيليين، خصوصاً في مخيم قلنديا، الذي تحول خلال الساعات الأخيرة إلى بؤرة توتر متصاعدة بفعل الانتشار العسكري الكبير.
وواقعيا، هناك عدداً من المعتقلين يواجهون اتهامات تتعلق بتصنيع عبوات ناسفة أو تقديم دعم لوجستي لخلايا مسلحة تنشط في الضفة الغربية، وتزعم الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أن هذه العمليات تأتي في إطار “إحباط هجمات محتملة”، إلا أن الفلسطينيين يرون أن الاحتلال يستخدم هذه الاتهامات ذريعة لتوسيع دائرة الاعتقالات الجماعية وفرض مزيد من السيطرة الأمنية على المدن والمخيمات.
ولم تعد حملات الاعتقال مجرد إجراء أمني عابر بالنسبة للفلسطينيين، بل بالتأكيد فقد تحولت إلى مصدر رعب يومي يهدد آلاف العائلات، خاصة مع تزايد أعداد المعتقلين وتصاعد التحريض السياسي داخل إسرائيل ضد الأسرى الفلسطينيين.
وبالنسبة لسكان الضفة الغربية، فيبدو أن الاقتحامات الليلية المتكررة خلقت حالة من القلق النفسي العميق لدى الأطفال والنساء، في ظل خشية دائمة من اقتحام المنازل أو اعتقال أحد أفراد الأسرة في أي لحظة.
وأيضا تضاعفت المخاوف الفلسطينية بصورة غير مسبوقة بعد موافقة الحكومة الإسرائيلية على مشروع يتيح فرض عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين المدانين في قضايا أمنية، وربما يعتبر الفلسطينيون هذا القرار تحولاً خطيراً في طبيعة التعامل مع المعتقلين، إذ ينقل الصراع إلى مستوى أكثر دموية، ويمنح الأجهزة الأمنية والقضائية الإسرائيلية صلاحيات قد تُستخدم في تصفية الأسرى تحت غطاء قانوني.
ويبدو أن طرح عقوبة الإعدام في هذا التوقيت يرتبط بالتصعيد الأمني المتواصل في الضفة الغربية، وبمحاولات الحكومة الإسرائيلية اليمينية إظهار قدر أكبر من التشدد أمام الرأي العام الإسرائيلي، كما يأتي القرار في ظل ضغوط سياسية داخلية يقودها وزراء وأحزاب متطرفة تطالب بتوسيع العقوبات ضد الفلسطينيين، وفرض سياسات أكثر قسوة بحق الأسرى والمطلوبين.
وفي الشارع الفلسطيني، أثار القرار موجة غضب واسعة، حيث اعتبرته الفصائل الفلسطينية “إعلان حرب” على الأسرى، محذرة من أن تطبيقه قد يفجر الأوضاع بصورة شاملة، فيما وكدت عائلات الأسرى أن أبناءها يواجهون بالفعل ظروف احتجاز قاسية داخل السجون الإسرائيلية، تشمل العزل الانفرادي والإهمال الطبي ومنع الزيارات، وأن إضافة عقوبة الإعدام إلى هذه المعاناة تمثل تهديداً مباشراً لحياة المعتقلين.
وتخشى مؤسسات حقوقية فلسطينية ودولية من أن يؤدي القانون الجديد إلى ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المعتقلين، خاصة في ظل الاتهامات المتكررة لإسرائيل باستخدام الاعترافات المنتزعة تحت الضغط خلال التحقيقات الأمنية، حيث ترى هذه المؤسسات أن منح المحاكم الإسرائيلية صلاحية إصدار أحكام بالإعدام ضد الفلسطينيين قد يفتح الباب أمام محاكمات تفتقر إلى معايير العدالة الدولية.
وفي الوقت ذاته، يرتبط التصعيد الأمني في الضفة الغربية مع حالة الاحتقان السياسي التي تعيشها المنطقة بأكملها، خصوصاً مع استمرار الحرب والتوترات الإقليمية، فيعتقد هؤلاء أن إسرائيل تسعى من خلال حملات الاعتقال الواسعة إلى منع تشكل أي حالة مقاومة منظمة في الضفة، عبر استهداف النشطاء والشبان وفرض واقع أمني شديد الصرامة على المدن الفلسطينية.
أما الفلسطينيين، فبالتأكيد ربما لم تنجح سياسة الاعتقالات الجماعية خلال السنوات الماضية في إنهاء التوتر أو وقف عمليات المقاومة، بل ساهمت في زيادة الاحتقان الشعبي وتعميق الشعور بالغضب تجاه الاحتلال، فكل حملة اقتحام أو اعتقال تترك خلفها عائلات مكلومة وشباناً أكثر تشدداً، الأمر الذي يجعل المشهد الأمني في الضفة مرشحاً لمزيد من الانفجار.
وفي مخيمات الضفة الغربية، تبدو الصورة أكثر قتامة، حيث يعيش السكان حالة استنفار دائم نتيجة الاقتحامات المتكررة وانتشار الحواجز العسكرية، فيبدو لفسطينيين إنهم باتوا يشعرون بأن حياتهم اليومية محاصرة بالكامل، من التنقل والعمل وحتى التعليم، في ظل تزايد القيود الأمنية وتوسع عمليات المداهمة والاعتقال.
أما على المستوى الدولي، فقد بدأت أصوات حقوقية وسياسية تعبر عن قلقها من تصاعد الإجراءات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، خاصة ما يتعلق بعقوبة الإعدام، وترى جهات دولية أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد، وتزيد من تعقيد المشهد السياسي والإنساني في الأراضي الفلسطينية، في وقت تتراجع فيه فرص التهدئة أو العودة إلى أي مسار سياسي حقيقي.
ومع استمرار الاعتقالات وتصاعد الخطاب الإسرائيلي المتشدد، تبدو الضفة الغربية أمام مرحلة جديدة شديدة الحساسية، عنوانها الخوف والترقب والانفجار المحتمل، فالفلسطينيون الذين يعيشون تحت ضغط يومي من الاقتحامات والملاحقات، ينظرون إلى القرارات الأخيرة باعتبارها محاولة لترهيب المجتمع بأكمله، بينما تتجه الأوضاع نحو مزيد من التوتر الذي قد يغير شكل المواجهة في الأراضي المحتلة خلال الفترة المقبلة.
أمينة خليفة




