تدخل الحرب في قطاع غزة مرحلة جديدة يتداخل فيها المسار العسكري مع الواقع الإنساني على نحو غير مسبوق، حيث أصبحت أماكن الإيواء ومحيط الأحياء السكنية المكتظة في قلب مسرح العمليات اليومية. ولم يعد المشهد الميداني يقتصر على متابعة المعارك المباشرة أو تفاصيل المواجهات المسلحة، بل أصبح يدور أيضًا حول سؤال جوهري وفرضته الكلفة البشرية الباهظة التي يدفعها السكان كل يوم: إلى أي مدى تراعي القرارات والتحركات الميدانية التزام حماية المدنيين وتجنيبهم مخاطر القصف والمواجهة؟
يتزامن هذا التردي الميداني والبيئي مع استمرار الحراك الدبلوماسي والجهود التفاوضية غير المباشرة برعاية إقليمية ودولية، والتي تسعى للتوصل إلى اتفاق شامل لوقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، فضلاً عن النقاشات المعقدة حول ترتيبات إدارة القطاع في مرحلة ما بعد الحرب. ورغم المرونة التي تبديها بعض الأطراف تجاه القضايا الإجرائية، فإن الفجوات الجوهرية لا تزال تعطل الوصول إلى حسم سياسي، مما يترك الميدان مفتوحاً أمام دوامة استنزاف يومية يتحمل نتائجها القاسية السكان المحاصرون.
وأظهرت الأشهر الماضية أن أي تداخل بين الأنشطة العسكرية أو التحركات التنظيمية والمناطق المكتظة بالنازحين، سواء في محيط مراكز الإيواء، أو المدارس، أو أثناء المناسبات الاجتماعية والجنازات، يسهم بشكل مباشر في زيادة احتمالات تعرض تلك المناطق للضربات العسكرية. وفي ظل النهج العملياتي القائم على القوة النارية المفرطة، فإن هذا التداخل يمثل عاملاً مضاعفاً للمخاطر التي تواجهها العائلات الفلسطينية التي لم يعد لديها أي خيار أو مكان آمن للجوء إليه.
إن هذه القراءة التحليلية لا تغفل بطبيعة الحال المسلّمة القانونية التي تلزم إسرائيل، بوصفها القوة القائمة بالاحتلال والطرف المسلح الأكبر، بالمسؤولية الكاملة والمباشرة عن استهداف المدنيين والمنشآت المدنية بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني التي تفرض التمييز والتناسب واتخاذ كافة الاحتياطات. غير أن هذه المسؤولية لا تحول دون طرح أسئلة مشروعة ومباشرة لحركة حماس والفصائل المسلحة بشأن كلفة بعض أساليب إدارة الصراع؛ فحماية الحاضنة الشعبية تتطلب تقييم القيمة العسكرية للأنشطة والتواجد الميداني بالقرب من تجمعات النازحين، مقارنة بالحجم الهائل للخسائر البشرية التي تدفعها العائلات.
إن الحفاظ على النسيج الاجتماعي وتثبيت السكان فوق أرضهم يقتضيان مراجعة جادة للتكتيكات المستخدمة على الأرض؛ إذ يتطلب الوضع الراهن اتخاذ إجراءات واضحة لتقليل التداخل بين الأنشطة العسكرية وأماكن وجود المدنيين، كلما كان ذلك ممكنًا، بما يقلل من المخاطر التي قد يتعرض لها السكان، ويعزز فرص مساءلة أي انتهاكات لقواعد القانون الدولي الإنساني. فالاعتبار الأساسي والأول لأي قرار ميداني يجب أن يقاس بمدى قدرته على صيانة العنصر البشري والحد من الخسائر في أوساط المدنيين.
إن أي مسار سياسي أو تفاوضي يظل ناقصاً وشكلياً ما لم يرافقه تحسن ملموس يضمن أمان المدنيين على الأرض. والحروب، مهما طالت، تبحث في النهاية عن مخرج سياسي وتسوية قابلة للاستمرار، لكن المجتمعات التي تستنزف بنيتها البشرية والمؤسسية تحتاج سنوات طويلة لاستعادة توازنها. ويبقى السؤال الذي تفرضه الوقائع الميدانية قائماً: إلى متى سيظل المدنيون في غزة يتحملون الكلفة الأكبر لقرارات الميدان، أياً كان مصدرها ومهما كانت دوافعها؟





