منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة، يعيش أكثر من مليوني فلسطيني واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العصر الحديث، حيث تحولت الحياة اليومية إلى معركة من أجل البقاء، وسط دمار واسع للبنية التحتية، ونقص حاد في الغذاء والمياه والدواء، وانهيار شبه كامل للمنظومة الصحية، واستمرار موجات النزوح المتكررة.
وفي ظل هذا الواقع، يبقى المدنيون الطرف الأكثر تضررًا، بينما تتواصل المواجهة العسكرية وتتراجع فرص الوصول إلى تسوية توقف نزيف الدم، وهنا يأتي دور حركة حماس، التي ترى نزيف دماء الأبرياء يروي أرض غزة، ولا تزال تقامر بحياة المدنيين، وتتمسك بشروط، تعرقل سير المفاوضات، وهو ما يستغله الاحتلال الإسرائيلي، لمواصلة استهداف المدنيين، بذريعة ملاحقة العناصر المسلحة.
المشهد الإنساني في القطاع، يعكس حجم الكارثة التي خلفتها الحرب، لأن آلاف الأسر فقدت منازلها، والمستشفيات تعمل في ظروف بالغة الصعوبة، فيما تواجه وكالات الإغاثة تحديات كبيرة في إيصال المساعدات بسبب القيود الأمنية والعمليات العسكرية، وباتت المجاعة وسوء التغذية والأوبئة من المخاطر الحقيقية التي تهدد السكان، خصوصًا الأطفال وكبار السن.
وأمام هذه المعاناة، تتزايد التساؤلات حول مسؤولية جميع الأطراف عن استمرار الحرب، ومدى انعكاس القرارات السياسية والعسكرية على حياة المدنيين، لأن كل يوم إضافي من القتال يعني مزيدًا من الضحايا، واتساع رقعة الدمار، وتفاقم الأزمة الإنسانية التي تجاوزت حدود القطاع لتصبح قضية تشغل المجتمع الدولي بأسره.
وتتعرض حركة حماس لانتقادات من أطراف فلسطينية وإقليمية ودولية، ترى أن استمرار المواجهة المسلحة في ظل الاختلال الكبير في موازين القوى يضاعف حجم الخسائر البشرية والمادية التي يتحملها سكان غزة، حيث يرى أصحاب هذا الطرح أن أي حسابات سياسية أو عسكرية يجب أن تضع سلامة المدنيين في مقدمة الأولويات، وأن البحث عن مخارج سياسية أصبح ضرورة ملحة لتجنيب السكان مزيدًا من المعاناة.
في المقابل، تؤكد حماس أن استمرار القتال يأتي في إطار ما تصفه بحقها في مقاومة الاحتلال، وتحمل إسرائيل المسؤولية الأساسية عن الدمار والخسائر الإنسانية نتيجة العمليات العسكرية والحصار المفروض على القطاع، كما ترى أن وقف إطلاق النار يجب أن يرتبط بضمانات سياسية وإنسانية تضمن إنهاء الأزمة بصورة مستدامة.
وتواجه إسرائيل انتقادات واسعة من الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، بسبب حجم الخسائر المدنية والدمار الواسع الذي طال الأحياء السكنية والبنية التحتية، إلى جانب القيود المفروضة على دخول المساعدات الإنسانية، وتطالب جهات دولية بضرورة احترام القانون الدولي الإنساني، وضمان حماية المدنيين، وتسهيل وصول الإغاثة إلى المحتاجين.
وتكشف الأزمة أن الخاسر الأكبر ليس أي طرف سياسي أو عسكري، وإنما المواطن العادي الذي فقد منزله أو أفرادًا من أسرته أو مصدر رزقه، وأصبح يعيش في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، فالأطفال حرموا من التعليم، والمرضى يواجهون خطر الموت بسبب نقص العلاج، والعائلات تعيش حالة من عدم اليقين بشأن مستقبلها.
استمرار الحرب دون أفق سياسي واضح، يعني تعميق المأساة الإنسانية، ويجعل إعادة إعمار القطاع واستعادة الحياة الطبيعية أكثر صعوبة، لذلك فإن الواقع يقول إن حماية المدنيين أولوية، ووقف الأعمال القتالية، وإطلاق مسار سياسي يحد من معاناة السكان، لأن استمرار الصراع لن يورث سوى مزيد من الضحايا والدمار، بينما يبقى سكان غزة هم من يدفعون الثمن الأكبر، مهما اختلفت المواقف والروايات السياسية.





