أيدت محكمة الاستئناف حكمًا بسجن رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي، في وقت تتسع فيه دائرة الملاحقات القضائية ضد معارضين سياسيين وصحافيين ونشطاء. ويعكس الحكم ما تشهده الساحة التونسية من تصعيد سياسي وقضائي غير مسبوق، يعكس مرحلة دقيقة في مسار الحكم والحقوق والحريات بالبلاد.
ويتزامن هذا التطور مع قرار رئاسي جديد بتمديد حالة الطوارئ حتى نهاية يناير 2026، بما يمنح السلطات صلاحيات استثنائية تثير جدلًا حقوقيًا واسعًا داخليًا ودوليًا. وبين اتهامات السلطة بتطبيق القانون وحماية الدولة، وتحذيرات منظمات حقوق الإنسان من تكريس الحكم الفردي وتقويض حرية التعبير واستقلال القضاء.
منظمات حقوقية: الحكم تقييد للحرية
وحسب وكالة الصحافة الألمانية، أقرت محكمة الاستئناف في تونس حكماً بسجن رئيسة الحزب الدستوري الحر، عبير موسي، بالسجن لمدة سنتين، في دعوى قضائية قامت بتحريكها ضدها هيئة الانتخابات، اليوم الأربعاء. وتُلاحَق موسي في هذه القضية بتهمة نشر أخبار غير صحيحة، بعد انتقادات علنية وجّهتها للهيئة، عقب الانتخابات التشريعية عبر تصريحين عامّين أدلت بهما في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، ويناير (كانون الثاني) 2023.
ولم تحضر موسي، الموقوفة في السجن، منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023، جلسة المحاكمة بسبب موانع صحية، وفق ما أفادت به هيئة الدفاع عنها. ومع ذلك أصدرت محكمة الاستئناف حكمها، مساء أمس الثلاثاء. ومن المتوقع أن تطعن هيئة الدفاع، مرة أخرى، في الحكم أمام محكمة التعقيب.
وتقول منظمات حقوقية، مِن بينها منظمة العفو الدولية، إن الحكم يقوّض الحق في حرية التعبير؛ لأنه يستند إلى مرسوم مثير للجدل أصدره الرئيس قيس سعيد في 2022 لتنظيم الجرائم المرتبطة بأنظمة الاتصال والمعلومات. وكان المرسوم سبباً في تحريك عدة دعاوى ضد معارضين وصحافيين وعدد كبير من النشطاء، بتُهم مختلفة، مثل نشر أخبار غير صحيحة أو التشويه.
وفي وقت سابق من الشهر الحالي، صدر حكم آخر في دعوى منفصلة ضد موسي بسجنها لمدة 12 عاماً بتُهم «إثارة الهرج والاعتداء المقصود منه تبديل هيئة الدولة». وترتبط القضية بمحاولتها إيداع تظلُّم ضد أوامر رئاسية بمكتب الضبط، التابع لقصر قرطاج الرئاسي، قبل اعتقالها من قِبل قوات الأمن في الثالث من أكتوبر 2023. وكانت موسي مرشحة الحزب الدستوري الحر للانتخابات..
تمديد حالة الطوارئ
في المقابل، قرر الرئيس التونسي قيس سعيد، تمديد حالة الطوارئ في البلاد لمدة شهر حتى نهاية يناير 2026. وجاء ذلك وفق أمر رئاسي تضمنته “الرائد الرسمي” الجريدة الرسمية في البلاد في عددها الصادر يوم الثلاثاء 30 ديسمبر 2025. وأفاد الأمر الرئاسي بأنه “تعلن حالة الطوارئ في كامل الجمهورية التونسية ابتداء من 1 يناير 2026 إلى غاية 30 من الشهر نفسه”.
وكانت السلطات التونسية أعلنت في 24 نوفمبر 2015 حالة الطوارئ، إثر حادث إرهابي، ثم مددتها مرات عدة بفترات متباينة كان آخرها بين 31 يناير و31 ديسمبر 2025. وتمنح حالة الطوارئ وزارة الداخلية صلاحيات استثنائية بينها منع الاجتماعات وحظر التجوال وتفتيش المتاجر ومراقبة الصحافة والبث الإذاعي والعروض السينمائية والمسرحية.
وقال نافع العريبي محامي عبير موسى، في تصريحات لرويترز، إن منظمات حقوقية ذكرت أن الحكم يرسيخ الحكم الفردي للرئيس قيس سعيد واستخدام القضاء لسحق معارضيه. مشيرًا إلى أن هذا الحكم ظالم وهو ليس قرارا قضائيا بل هو قرار بتعليمات سياسية “هو حكم سياسي”.
قيس سعيد يرد على هجوم المعارضة
وتقبع عبير، زعيمة الحزب الدستوري الحر، في السجن منذ عام 2023 بعد أن اعتقلتها الشرطة عند مدخل القصر الرئاسي بتهمة الاعتداء بهدف إثارة الفوضى، فيما يرى منتقدون أن ذلك ليس إلا جزءا من حملة قمع واسعة ضد قادة المعارضة البارزين. وترفض عبير هذه التهم وتؤكد أنها كانت تمارس ببساطة حقها في الانتقاد والمعارضة الوطنية المشروعة، قائلة “سأصبر على هذا الأذى الذي لحقني وسأواصل مواجهة ما أتعرض له من تنكيل وتعذيب وعنف سياسي ومعنوي واقتصادي”.
ويقول نشطاء ومنظمات حقوقية إن سعيد دمر استقلالية القضاء منذ أن حل البرلمان المنتخب في 2021. وفي 2022، حل المجلس الأعلى للقضاء وأقال عشرات القضاة، وهو ما اعتبرته جماعات المعارضة ومنظمات حقوق الإنسان انقلابا. حسب وكالات.
في المقابل نفى الرئيس قيس سعيد أن يكون دكتاتورا أو أنه يستخدم القضاء ضد خصومه، مؤكدا أنه “يطهر” تونس من “الخونة”. ويقول سعيد إنه لا أحد فوق القانون مهما كان اسمه أو منصبه.
مستقبل تونس وسط التوترات السياسية
من جانبه، فسر الكاتب والمحلل السياسي التونسي صلاح الدين الجورشي، حملة السلطات على المعارضة بأنها تحقيق لوعد قطعه الرئيس قيس سعيّد على نفسه “بأن جميع الطبقة السياسية يجب أن ترحل”، مضيفا أنه بعد وصوله إلى الرئاسة، ظل سعيّد مدة عام ونصف أو سنتين يستهدف الأحزاب المعارضة المشاركة في الحكومة. حسب الجزيرة.
ولفت الجورشي إلى أن الرئيس “نجح في إبعاد أهم الرموز السياسية المعارضة له بمن في ذلك رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي” التي كان البعض يَعُدها رأس حربة ضد النهضة، وربما مؤيدة لسياسات قيس سعيّد ضد خصومه.
وأشار الجورشي إلى أن مستقبل تونس “أصبح مهدَّدا بعدم الاستقرار المتواصل والمتراكم”. وأكد أنه “في ظل هذه المسيرات التي تتتابع والتجمع الكبير للجمعيات والأحزاب السياسية المناهضة للرئيس سعيّد، كلها تشير إلى حركية سياسية قد يكون لها تأثير سلبي على الاستقرار السياسي وعلى صورة تونس في الداخل والخارج”.






