أعلن “الإطار التنسيقي” الذي يضم التكتلات الشيعية الأكثر نفوذاً في البرلمان العراقي، يوم السبت، اختيار نوري المالكي مرشحاً لمنصب رئيس الوزراء مرة أخرى، بعد سنوات من الابتعاد عن السلطة التنفيذية. وتُعد هذه الخطوة أولى بوادر انطلاق مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة، في ظل واقع سياسي معقد يتسم بتداخل النفوذ الأمريكي والإيراني، وبوجود عشرات الفصائل المسلحة الموالية لإيران والتي تعتبر نفسها أكثر ولاءً لقياداتها منها للدولة.
هذا التحرك من قبل الإطار الشيعي لا يقتصر على اختيار شخصية ذات وزن سياسي، بل يحمل دلالات استراتيجية حول توجهات المرحلة المقبلة. فالمالكي، الذي تولى رئاسة الحكومة مرتين بين 2006 و2014، يُنظر إليه كرمز للسلطة المركزية القوية، وهو أيضاً شخصية سياسية بارزة داخل حزب الدعوة الإسلامية. لكن ترشيحه يفتح الباب أمام أسئلة حادة حول مسار العراق السياسي، خصوصاً وأن فترة حكمه السابقة ارتبطت بصراعات طائفية حادة، وصدامات متكررة مع خصومه من السنة والأكراد، وتوترات متصاعدة مع الولايات المتحدة التي كانت تتعامل معه بقدر كبير من الحذر والشك.
الإطار التنسيقي، في بيانه، برر اختياره للمالكي بالاستناد إلى “خبرته السياسية والإدارية ودوره في إدارة الدولة”، لكن هذه الحجة لا تبدو كافية لطمأنة خصومه السياسيين أو حتى الشارع العراقي الذي يحمل في ذاكرته فصولاً من العنف الطائفي والصراعات الداخلية التي شهدتها البلاد خلال فترة رئاسته. ففي فترة حكمه، شهد العراق موجات من العنف الطائفي وتدهوراً في العلاقة مع المكونات الأخرى، وتحديات أمنية كبرى تمثلت في صعود تنظيم الدولة الإسلامية الذي استولى على مساحات واسعة من البلاد في 2014، وهو ما أدى إلى انسحاب المالكي من منصبه في ذلك العام.
وعلى الرغم من ذلك، لم يختف المالكي من المشهد السياسي، بل ظل لاعباً مؤثراً، إذ قاد ائتلاف “دولة القانون” وحافظ على شبكة علاقات قوية مع الفصائل المسلحة المدعومة من إيران، وهو ما يمنحه قدرة على التحرك في الساحة السياسية بشكل قوي، خصوصاً داخل البيئات الشيعية. وهذه العلاقات نفسها تجعل من ترشيحه نقطة توتر محتملة مع واشنطن، التي تواصل الضغط على الحكومة العراقية الجديدة لتفكيك هذه الفصائل وتقليل نفوذها، وهو مطلب يصطدم بالواقع الميداني والسياسي الذي تعيشه بغداد.
لكن السؤال الأهم في هذه المرحلة ليس فقط عن شخصية المالكي، بل عن البيئة التي ستعمل فيها الحكومة القادمة. فالعراق اليوم ليس مجرد دولة تواجه تحديات داخلية، بل هو ساحة نفوذ متشابكة بين قوى إقليمية ودولية، ما يجعل أي تشكيل حكومي الجديد محكوماً بقدرة الأطراف المختلفة على التفاهم أو على الأقل التعايش. وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن العملية الدستورية في العراق لا تزال تسير وفق الخطوات المحددة: فالبرلمان الذي انتخب في 29 ديسمبر، عليه أن ينتخب رئيساً ونائبين له في جلسته الافتتاحية، ثم يختار رئيساً جديداً للبلاد خلال 30 يوماً، ويكلف الأخير الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة.
هذه الإجراءات الرسمية تبدو واضحة، لكن ما يهم أكثر هو ما سيحدث خلف الكواليس، حيث تُجرى المساومات السياسية والتوازنات الحقيقية. فالمالكي، بحكم تجربته الطويلة وعلاقاته مع الفصائل المسلحة، قد يواجه صعوبات في تشكيل حكومة تحظى بقبول واسع، خصوصاً من القوى السنية والكردية، إضافة إلى ما قد يثيره ترشيحه من انقسام داخل المكون الشيعي نفسه، إذ لا يمكن تجاهل أن هناك تيارات شيعية أخرى قد ترى في عودة المالكي خطوة نحو مزيد من الاحتكار السياسي.
وفي الوقت الذي تحاول فيه الأطراف العراقية أن تعيد رسم مستقبل الحكومة، تبقى التحديات الأمنية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالعراق يواجه ضغطاً متزايداً من واشنطن لتفكيك الميليشيات الموالية لإيران، لكن الواقع يفرض أن هذه الفصائل تمثل قوة ميدانية حقيقية، وتملك تأثيراً في مناطق واسعة، وقدرتها على التأثير في السياسة لا تقل عن تأثير الأحزاب التقليدية. وهذا يضع الحكومة الجديدة أمام معادلة صعبة: كيف توازن بين مطالب الولايات المتحدة بفرض سيادة الدولة، وبين الواقع السياسي الذي يستند إلى وجود هذه الفصائل كطرف فاعل.
كما أن العراق لا يملك رفاهية الانفصال عن التوازنات الإقليمية، ففي الوقت الذي تتصارع فيه القوى الإقليمية على النفوذ، يبقى العراق بوابة مهمة لتحقيق توازنات استراتيجية. ومن هنا، فإن اختيار المالكي قد يعكس أيضاً رغبة لدى الإطار الشيعي في تعزيز موقع بغداد كقوة مركزية قادرة على إدارة التوازنات، لكنه في الوقت نفسه يثير مخاوف من عودة نمط الإدارة المركزية القوية التي شهدت خلالها البلاد انقسامات عميقة.
وبعيداً عن الأبعاد السياسية، فإن الشارع العراقي يراقب بقلق هذه التحركات، ليس لأنه معارض أو مؤيد لشخص بعينه، بل لأنه بات يرى أن أي تغيّر في السلطة لا يعني بالضرورة تغيّراً في حياته اليومية. فالأزمات الاقتصادية، والبطالة، وتدهور الخدمات، وانقطاع الكهرباء، وتفشي الفساد، كلها قضايا ما زالت تفرض نفسها على واقع العراقيين، وقد تكون السبب الحقيقي في تزايد عدم الثقة في الطبقة السياسية، مهما كانت هويتها.
في النهاية، يبقى ترشيح نوري المالكي خطوة تحمل في طياتها الكثير من الدلالات: هي إشارة إلى أن الإطار الشيعي يفضل شخصية ذات خبرة وقدرة على إدارة الدولة في أوقات التوتر، لكنها أيضاً إشارة إلى أن العراق قد يعود إلى حقبة من الصراعات الداخلية التي لم تُغلق صفحاتها تماماً. وإذا كانت مرحلة تشكيل الحكومة القادمة ستحتاج إلى توازن دقيق بين النفوذ الخارجي والواقع الداخلي، فإن ما يحدث اليوم في بغداد هو تذكير بأن العراق لا يزال في مفترق طرق، وأن أي خيار سياسي قد يحدد اتجاهه لسنوات قادمة.






