في وقت تتزايد فيه التوترات الجيوسياسية وتتصاعد التحذيرات الأوروبية، أعلنت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، فاطمة مهاجراني، أن المحادثات الجارية بين طهران والدول الأوروبية الثلاث بشأن الملف النووي، تواجه ظروفاً معقدة، مؤكدة أن ما يجري لا يتعدى كونه “تبادلاً للآراء” وليس مفاوضات بالمعنى الكامل.
تصريحات مهاجراني، التي جاءت بعد جولة خامسة من اللقاءات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، أظهرت حجم الفجوة بين الأطراف المعنية بالاتفاق النووي، خاصة مع اقتراب موعد نهاية أغسطس، وهو الموعد الذي حددته أوروبا لإعادة تفعيل آلية “سناب باك” لعقوبات الأمم المتحدة، في حال استمرار الجمود.
“لسنا العقبة”.. إيران تدافع عن موقفها
وفي تعليقها على سير المحادثات، قالت مهاجراني: “يجب أن أوضح أن إيران لم تكن يوماً ما عقبة أمام الحوار مع الدول الأوروبية في مختلف القضايا. لكن ما يجري حالياً ليس تفاوضاً بالمعنى المعروف، بل هو مجرد تبادل للآراء بشأن الملف النووي”.
الحديث الإيراني الرسمي يعبّر عن رغبة معلنة في التواصل، لكنه يُبرز في الوقت ذاته عدم وجود نية حالية للوصول إلى اتفاق جديد أو إحياء الاتفاق القديم، ما يعكس واقعًا دبلوماسيًا معقدًا في ظل الضغوط الدولية.
الترويكا الأوروبية تلوّح بالعقوبات من جديد
تتكوّن الترويكا الأوروبية من فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، وهي الأطراف الأوروبية الرئيسية في الاتفاق النووي المبرم عام 2015، والذي انسحبت منه الولايات المتحدة في عام 2018 في عهد الرئيس دونالد ترمب، مما أدى إلى انهيار تدريجي للاتفاق.
وفي بيان شديد اللهجة، أكدت المجموعة الأوروبية أنها تستعد لتفعيل آلية “سناب باك” لإعادة العقوبات الأممية على طهران في حال عدم تحقيق أي تقدم ملموس في المحادثات قبل نهاية أغسطس، مشيرة إلى أن الجمود الدبلوماسي الحالي غير قابل للاستمرار، خاصة في ظل التطورات الإقليمية الأخيرة وعلى رأسها الحرب الجوية بين إيران وإسرائيل.
المحادثات تتعثر.. والمواقف تتباعد
المحادثات التي تجري تحت رعاية غير مباشرة بين طهران وواشنطن، عبر وساطات أوروبية وأممية، لم تحقق حتى الآن أي نتائج معلنة أو تقدم جوهري، بحسب ما تشير إليه تصريحات الجانبين. وتظل الملفات العالقة، وعلى رأسها تخصيب اليورانيوم ومستقبل برنامج إيران النووي العسكري، عقبة كبرى أمام أي انفراجة مرتقبة.
ويرى محللون أن إيران تُبقي على ورقة الملف النووي كورقة ضغط في سياق التفاوض الأوسع مع الغرب، خصوصًا في ظل الضغوط الاقتصادية والعقوبات المفروضة عليها، إلى جانب الوضع الإقليمي المشتعل في عدة جبهات.
روسيا والصين في الصورة.. ولكن بلا تأثير مباشر
على الرغم من مشاركة روسيا والصين كأطراف متبقية في الاتفاق النووي، إلا أن تأثيرهما المباشر في مسار المحادثات يبدو محدودًا، في ظل تركيز الترويكا الأوروبية على اتخاذ إجراءات أحادية إن لزم الأمر.
وبحسب مصادر دبلوماسية، فإن موسكو وبكين تدعمان العودة للاتفاق لكن بشروط متوازنة، دون أن تضغطا فعليًا على طهران لإبداء مرونة أكبر.
مستقبل ضبابي.. والخيارات تضيق
مع اقتراب الموعد الذي حددته الدول الأوروبية لإعادة فرض العقوبات، تزداد المؤشرات السلبية بشأن إمكانية استئناف مفاوضات حقيقية قبل نهاية الشهر، خصوصًا مع التصريحات المتكررة من طهران التي تصف الأوضاع بـ”المعقدة”.
في ظل هذا الجمود، يبقى مستقبل الاتفاق النووي في مهب الريح، وسط تصاعد القلق الأوروبي من تسارع البرنامج النووي الإيراني، وتزايد المخاوف من فقدان السيطرة الدولية على ما تصفه الوكالة الدولية للطاقة الذرية بـ”الأنشطة الحساسة”.
أزمة ثقة أم صراع استراتيجيات؟
الواضح أن التوتر في الملف النووي الإيراني لا يتعلق فقط بالتفاصيل الفنية أو حتى الإرادة السياسية، بل هو انعكاس لـ أزمة ثقة مزمنة بين طهران والغرب. وبين ضغوط أوروبية متزايدة ومواقف إيرانية متصلبة، يبدو أن الحوار يواجه اختبار البقاء.
فهل يتم إنقاذ ما تبقى من الاتفاق قبل أن يُغلق الباب نهائياً؟ أم أن الأطراف تتجه إلى مرحلة ما بعد الاتفاق، بتوازنات جديدة قد تعيد رسم خريطة العلاقات الدولية في المنطقة؟






