لم تكن بوابات سجن صيدنايا، حين فُتحت على يد مقاتلين متمردين، مجرد مدخلٍ إلى الحرية، بل كانت بوابةً إلى جحيمٍ آخر أكثر صمتًا وإيلامًا: جحيم الصدمة، والعجز، والانهيار النفسي والجسدي الذي يحاصر آلاف المعتقلين السوريين بعد نجاتهم من آلة القمع التي صاغت نظام بشار الأسد طوال عقدين من الزمن.
عند مداخل السجن الذي عُرف بلقب «مسلخ الأسد البشري»، لا تزال رائحة العفن والدماء، وبقع التعذيب، تذكّر بأن ما جرى داخله لم يكن مجرد انتهاك لحقوق الإنسان، بل عملية ممنهجة لتكسير الروح وإلغاء الذاكرة. هناك، خلف الجدران الرطبة، أعاد السجناء السابقون اكتشاف معنى النجاة، لكنهم وجدوا أنفسهم عالقين بين موتٍ لم يقع بعد، وحياةٍ لا يستطيعون العودة إليها.
ذاكرة الألم.. روايات من الجحيم
“كنا كالحيوانات بالنسبة لهم”، هكذا يصف عمر البدوي سنواته الأربع داخل صيدنايا. القبض عليه عام 2018 بتهمة تهريب الأدوية إلى مناطق المعارضة لم يكن سوى بداية رحلةٍ طويلة من الإذلال الجسدي والنفسي.
يحكي عمر أن الحراس كانوا يتبولون في أفواه السجناء حين يطلبون الماء، ويجبرونهم على أكل الحشرات لتسلية السجانين. الاعتداءات الجنسية كانت جزءًا من الروتين اليومي، والاستحمام تحوّل إلى ذريعةٍ جديدة للتعذيب.
خرج البدوي بعد أربع سنواتٍ منهك الجسد، مصابًا بآلام في الظهر، يعاني الاكتئاب، ويقول إنه فقد الرغبة في الحياة تمامًا. لكنه، كما يقول اليوم، “لا يزال يعيش لأن الموت لم يكتمل بعد”.
تتكرر الحكاية ذاتها لدى عمار دغميش، الجندي المنشق الذي رفض أوامر إطلاق النار على المتظاهرين، فاقتيد إلى السجن وعُذّب حتى أصيب بمرض السل. حين أُطلق سراحه بعد اقتحام الثوار للسجن، كان شبه هيكل عظمي، يحمل على ظهره جروحًا مزمنة، وفي داخله رعبًا من الأصوات والضوء. حتى تغريد الطيور — كما يقول — بات يُعيد إليه ذكرى العذاب، لأنه كان الصوت الوحيد الذي يُعلن عن يومٍ جديد في الجحيم.
من التحرر إلى معركة البقاء
مع سقوط النظام في ديسمبر 2024، خرج نحو 24 ألف معتقل من السجون التي تحوّلت إلى مقابر للأحياء. لكنّ خروجهم لم يكن نهاية المأساة. كثير منهم وجدوا أنفسهم في بلدٍ منهك، لا يملك بنية تحتية صحية قادرة على استقبال هذا الكم من المصابين والمعذبين.
وفقًا لتقديرات المرصد السوري لحقوق الإنسان، اختفى أكثر من 112 ألف شخص في شبكة الاعتقال التابعة للنظام خلال السنوات السابقة، بينما يعاني معظم المفرج عنهم من أمراضٍ مزمنة، وإعاقات جسدية، واضطرابات نفسية معقدة.
الطبيبة ماسة المعري، وهي واحدة من الأصوات القليلة التي تحاول سدّ هذه الفجوة، أسست منظمة “سيلا” لتقديم الرعاية النفسية والصحية للناجين. تصف المرضى الذين تراهم يوميًا بأنهم “أشباح بشرية”، وتقول: “لا يمكنك أن تسأل شخصًا عن كوابيسه، وهو عاجز عن الأكل أو الرؤية من شدة الألم”. عيادتها الصغيرة تحولت إلى مساحةٍ للنجاة الثانية، لكن قدراتها محدودة أمام حجم الكارثة.
نظام صحي على حافة الانهيار
الثمن الإنساني للحرب لم يكن محصورًا في السجون وحدها. فالنظام الصحي في سوريا بات نفسه ضحية للحصار والعقوبات والنهب. أكثر من 70% من الأطباء غادروا البلاد، نصف المستشفيات مدمّر أو خارج الخدمة، والمستشفيات المتبقية تعتمد على متطوعين غير مؤهلين، بعضهم نجارون وكهربائيون تحولوا إلى “مسعفين”.
في مستشفى كفر بطنا بالغوطة الشرقية، يقول مديره إن أفضل ممرض لديهم صانع فضة. هذا الواقع يعكس انهيار مفهوم الرعاية الصحية في بلدٍ كان يوماً يُقدّم العلاج مجانًا لمواطنيه. اليوم، يحتاج المريض إلى شراء أدواته الطبية ودفع ثمن الأدوية المضاعف، وهو ما يستحيل على المعتقلين السابقين الذين يعيش معظمهم بلا دخل أو دعم.
الجرح المفتوح.. ما بعد التعذيب
الصدمة التي عاشها المعتقلون لا تنتهي بخروجهم من الزنزانة. بل تبدأ من جديد في صمت بيوتهم، حيث يواجهون العجز عن النوم، والخوف من الوجوه، والانهيارات النفسية المفاجئة. تقول أليساندرا لينر من اللجنة الدولية للصليب الأحمر إن أغلب الناجين يعانون “من فقدان الأمل والعجز عن إعادة الاندماج”.
أما عمر البدوي، فقد وجد في التطوع بجمعية معتقلي ومفقودي صيدنايا (ADMSP) سبيلًا للتعافي. يساعد الآخرين في البحث عن المفقودين، ويعمل على إيصال الدعم النفسي والطبي لمن تبقّى. ومع ذلك، يعترف أن الحياة بعد السجن “مجرد محاولة لتأجيل الألم”.
سحق إنسانية السوريين
تكشف هذه الشهادات أن النظام الأسدي لم يسعَ فقط إلى إسكات المعارضة، بل إلى سحق إنسانية السوريين، وتحويل أجسادهم إلى أدوات تذكّرهم بالهزيمة. واليوم، ومع انهيار البنية الصحية وهروب الأطباء، يتحول التعافي نفسه إلى معركة جديدة تخوضها منظمات محلية ومتطوعون بأدوات محدودة.
لكنّ السؤال الأعمق يظل مطروحًا: من سيُعيد ترميم أرواحٍ نُزعت عنها القدرة على الشعور بالأمان؟. في بلدٍ يتنفس الرماد، يظل الناجون من سجون الأسد شهودًا على أن أقسى أشكال القتل ليست تلك التي تنتهي بالموت، بل تلك التي تترك الإنسان حيًا ليتذكّر.






