لم يعد اليمن، بعد ما يقارب عقدًا من الحرب والصراع على السلطة، سوى لوحة قاسية من الأزمات السياسية والاقتصادية والإنسانية المتشابكة. فمنذ سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء في 2014، دخل البلد في مرحلة من الانهيار الشامل، تراجعت فيها سلطة الدولة، وتفككت المؤسسات، وتحوّل الاقتصاد إلى ساحة مفتوحة للفوضى والفساد، بينما كان المواطن العادي هو الخاسر الأكبر في هذه المعادلة.
في الوقت الذي يحذر فيه وزير الخارجية اليمني شائع الزنداني من التهديدات الأمنية التي تفرضها جماعة الحوثي على البحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية، يعيش اليمنيون على الأرض واقعًا أكثر قسوة: تضخم متسارع، انهيار متواصل للعملة المحلية، غياب المرتبات، وتفشي البطالة، في ظل عجز الحكومة الشرعية عن بسط نفوذها أو توفير الخدمات الأساسية.
سيطرة الحوثي وتفكك الدولة
الاقتصاد بين الانهيار والابتزاز
يصف خبراء الاقتصاد الوضع اليمني بأنه “اقتصاد حرب”، قائم على الجبايات، والرسوم غير الرسمية، وتهريب المشتقات النفطية، وتحويل المساعدات الإنسانية إلى أداة سياسية. فالمواطن في صنعاء أو الحديدة، على سبيل المثال، يواجه أعباء لا تطاق بسبب ارتفاع الأسعار بشكل جنوني، حيث تجاوز سعر كيس القمح ما يعادل راتب موظف حكومي لشهر كامل، بينما تنقطع الكهرباء والمياه لساعات طويلة يوميًا.
وفي المحافظات الخاضعة للحكومة، لم يكن الحال أفضل كثيرًا؛ إذ تعجز مؤسسات الدولة عن ضبط السوق أو مواجهة انهيار العملة، في ظل اعتماد مفرط على الوديعة السعودية والتحويلات المالية من المغتربين كرافعة اقتصادية وحيدة تمنع الانهيار الشامل.
المعاناة اليومية لليمنيين
انعكس هذا الوضع على حياة الناس بصورة مأساوية. ملايين الأسر تعيش على المساعدات الإنسانية التي تقدمها منظمات دولية، في بلد كان يومًا من أكبر مصدّري البن والسمك والمنتجات الزراعية. في القرى الجبلية، بات الأطفال يقطعون ساعات طويلة سيرًا على الأقدام بحثًا عن مياه نظيفة، بينما تضطر عائلات أخرى إلى تقليل وجباتها اليومية إلى وجبة واحدة أو اثنتين بالكاد تسد الرمق.
المستشفيات بدورها لم تسلم من الكارثة؛ إذ يفتقر معظمها للأدوية الأساسية، فيما يستغل الحوثيون القطاع الصحي كأداة للجباية أو لتوظيف كوادر موالية. ووفق تقارير الأمم المتحدة، فإن اليمن اليوم يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يحتاج أكثر من 70% من السكان إلى مساعدات عاجلة.
التدخلات الخارجية وتعميق الأزمة
اليمن على حافة الانهيار الشامل
المشهد العام في اليمن اليوم يجمع بين دولة منقسمة، واقتصاد مترنح، ومجتمع يواجه المجاعة والمرض، فيما تستمر الأطراف السياسية في تبادل الاتهامات دون خطوات جادة نحو مصالحة أو تسوية. وإذا ما استمر هذا الانقسام، فإن مستقبل اليمن قد يقود إلى سيناريو أكثر قتامة، شبيه بما يحدث في السودان، حيث تتحول الصراعات السياسية والعسكرية إلى حروب داخلية مدمرة لا تترك مجالاً لإحياء الدولة أو الاقتصاد.
الأزمة اليمنية لم تعد مجرد صراع على السلطة بين الحوثيين والحكومة الشرعية، بل تحوّلت إلى مأساة وطنية شاملة يدفع ثمنها المواطن اليمني يوميًا من قوت أطفاله وصحته وكرامته. وبدون توافق سياسي حقيقي، وإصلاح مؤسسي شامل، ووقف التدخلات الخارجية، فإن كل الجهود الدولية ستظل مجرد مسكنات عاجلة لأزمة تتفاقم يومًا بعد آخر. اليمن اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يسلك طريق التسوية وإعادة بناء الدولة، أو ينحدر نحو انهيار كامل يقضي على ما تبقى من أمل لملايين اليمنيين.






