كشف موقع “أكسيوس” الأميركي في تقرير حديث عن حالة انقسام حاد داخل بنية صنع القرار في إيران، وصفها بأنها غير مسبوقة، في ظل تعثر مسار المفاوضات مع الولايات المتحدة، وغياب ما وصفه التقرير بالدور الحاسم للمرشد الإيراني علي خامنئي في حسم الخلافات بين الأجنحة المختلفة.
وبحسب التقرير، فإن الأزمة لم تعد مجرد تباين في وجهات النظر، بل تحولت إلى “انقسام كامل” بين فريق المفاوضات من جهة، والمؤسسة العسكرية وعلى رأسها الحرس الثوري من جهة أخرى، ما أدى إلى حالة من الشلل في عملية اتخاذ القرار داخل طهران.
انقسام داخل مراكز القرار
أشار التقرير إلى أن أحد المسؤولين الأميركيين وصف الوضع داخل إيران بأنه “انقسام تام بين المفاوضين والعسكريين”، لافتًا إلى أن الطرفين لم يعودا قادرين على الوصول إلى المرشد علي خامنئي، الذي “لا يستجيب” بحسب تعبيره، وهو ما فاقم حالة الجمود السياسي.
هذا الغياب، وفق ما نقله “أكسيوس”، أدى إلى تعطّل آلية الحسم داخل الدولة الإيرانية، في وقت تتزايد فيه الضغوط الخارجية وتتعقد فيه الملفات التفاوضية مع واشنطن.
وبحسب التقرير، بدأت مؤشرات الانقسام في الظهور بوضوح عقب الجولة الأولى من المحادثات التي استضافتها العاصمة الباكستانية إسلام أباد، حيث برزت خلافات حادة بين الفريق التفاوضي الإيراني وقادة الحرس الثوري.
وأشار التقرير إلى أن قائد الحرس الثوري، الجنرال أحمد وحيدي، ونوابه، اعترضوا على عدد من النقاط التي ناقشها الوفد التفاوضي الإيراني، ورفضوا التوجهات المطروحة في تلك المحادثات، ما كشف عن تباين عميق في الرؤية بين المؤسستين.
أزمة مضيق هرمز: قرار يُعلن ولا يُنفذ
وتصاعد الخلاف، وفق “أكسيوس”، إلى العلن يوم الجمعة الماضية، عندما أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إعادة فتح مضيق هرمز، في خطوة اعتُبرت مؤشراً على محاولة تهدئة التوترات.
إلا أن التقرير أشار إلى أن الحرس الثوري رفض تنفيذ القرار، بل وهاجمه علنًا، في واقعة تعكس حجم التباين داخل مؤسسات الدولة الإيرانية بشأن إدارة الملفات الحساسة، خاصة تلك المرتبطة بالأمن الإقليمي والطاقة والملاحة الدولية.
ومنذ تلك اللحظة، لم تصدر طهران موقفًا موحدًا بشأن المقترح الأميركي الأخير، كما امتنعت عن تأكيد مشاركتها في جولة جديدة من المحادثات التي كان من المقرر عقدها في باكستان.
غياب التنسيق وتعثر البدائل السياسية
وأوضح التقرير أن حالة الانقسام تعمّقت، بحسب مصادره، بعد ما وصفه بـ”تراجع دور التنسيق المركزي” داخل مؤسسات الحكم، خاصة بعد تغييرات داخل مجلس الأمن القومي الإيراني.
وأشار إلى أن اغتيال علي لاريجاني، الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي – وفق ما ورد في التقرير – في مارس الماضي، ساهم في تفاقم الأزمة، نظرًا لدوره السابق في ربط دوائر القرار السياسي والعسكري.
وبحسب المصدر الأميركي الذي نقل عنه “أكسيوس”، فإن خليفته محمد باقر قاليباف لم يتمكن من ملء الفراغ، وُوصف بأنه “غير فعال” في إدارة التوازنات بين المؤسسات المتنافسة داخل الدولة.
إحباط واشنطن وتراجع التفاوض
وعلى الجانب الأميركي، أشار التقرير إلى حالة من الإحباط المتزايد داخل إدارة واشنطن بسبب تعثر المسار التفاوضي، خاصة خلال الساعات الثماني والأربعين الأخيرة التي شهدت تراجعًا في فرص عقد جولة جديدة من المحادثات.
وذكر “أكسيوس” أن نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس كان يستعد للتوجه إلى إسلام أباد، إلا أن الرحلة أُلغيت بسبب عدم حصول الجانب الأميركي على إشارات واضحة من طهران بشأن الموقف التفاوضي.
كما أشار التقرير إلى أن طائرة “إير فورس تو” بقيت لساعات على مدرج قاعدة أندروز قبل إلغاء الإقلاع، بينما عاد مبعوثا البيت الأبيض ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى واشنطن بدلًا من التوجه إلى باكستان.
فرصة أخيرة
وفي خضم هذا المشهد المعقد، عقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب اجتماعًا مع فريقه للأمن القومي لمناقشة الخيارات المطروحة، وسط انقسام داخلي بين اتجاه يدعو إلى التصعيد، وآخر يفضل منح المسار الدبلوماسي فرصة إضافية.
وبحسب ما نقله التقرير عن مسؤولين أميركيين، فإن ترامب اختار في نهاية المطاف الإبقاء على نافذة الدبلوماسية مفتوحة، رغم حالة الارتباك داخل الإدارة بشأن مستقبل الأزمة مع إيران.
يخلص تقرير “أكسيوس” إلى أن المشهد داخل إيران بات أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، في ظل انقسام داخلي حاد بين المؤسسة العسكرية والفريق الدبلوماسي، وغياب مركز حسم واضح للقرارات الكبرى.
وفي المقابل، تبدو واشنطن أمام معادلة صعبة تجمع بين الضغط السياسي، ومحاولة إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انهيار المسار الدبلوماسي بالكامل إذا استمر الجمود الحالي داخل طهران.




