في خطوة عسكرية غير مسبوقة منذ بداية النزاع السوري، كشفت مصادر تركية عن خطة رسمية لإنشاء قاعدتين عسكريتين دائمتين – إحداهما بحرية والأخرى جوية – داخل الأراضي السورية. هذه الخطوة التي وُصفت بأنها “تحول استراتيجي” في سياسة أنقرة تجاه جارتها الجنوبية، تأتي في سياق تنامي التنسيق الأمني بين الحكومتين التركية والسورية، وتفتح الباب لتساؤلات كبيرة عن ملامح المرحلة المقبلة من النفوذ الإقليمي في سوريا.
لقاء الشرع وبرّاك.. ورسائل مزدوجة إلى واشنطن
بالتزامن مع التطورات الميدانية، التقى الرئيس السوري أحمد الشرع في إسطنبول مبعوث الرئيس الأميركي الخاص إلى سوريا توماس برّاك، بحضور وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني.
اللقاء الذي جرى برعاية تركية لم يُعلن عنه مسبقاً، لكنه يعكس محاولات أنقرة لتقديم نفسها وسيطاً محورياً في مستقبل سوريا السياسي والأمني، مع ضبط الإيقاع بين موسكو وواشنطن.
تؤكد مصادر دبلوماسية أن اللقاء حمل رسائل متعددة الاتجاهات، أهمها ضمان أن التمدد العسكري التركي في سوريا سيتم تحت مظلة “التنسيق الدولي”، لا كتحرك أحادي قد يُفجّر جبهات جديدة.
قواعد عسكرية تركية في سوريا.. أهداف معلنة ومخاوف خفية
بحسب صحيفة “تركيا” المقرّبة من الدوائر الحكومية، فإن وزارة الدفاع التركية أطلقت خطة لبناء قاعدة جوية في ريف حلب الشمالي، وأخرى بحرية في منطقة اللاذقية، في إطار “إعادة تنظيم الأمن ومكافحة الإرهاب”، خاصة ضد تنظيم “داعش” وخلايا “قسد”.
المصادر الأمنية التركية أكدت أن هذه الخطوة تتم بالتنسيق مع حكومة دمشق، وبموافقة ضمنية تُترجم في دعم تركي مباشر لإعادة هيكلة الجيش السوري وقواته الأمنية.
لكن مراقبين يرون في هذه الخطوة أكثر من مجرد مكافحة إرهاب، إذ تشير التقديرات إلى أن أنقرة تسعى من خلالها لترسيخ حضور دائم لها على الساحة السورية، وتأمين شريط نفوذ يمتد من البحر إلى الجو، يمنحها ورقة استراتيجية في أي تسوية سياسية مقبلة.
قلق إسرائيلي.. ومحادثات في أذربيجان
لم يمرّ هذا التحرك التركي دون استياء في تل أبيب. إذ عبّرت إسرائيل عن قلقها من إمكانية أن تتحول القواعد التركية إلى منصات ضغط جديدة في قلب الشرق الأوسط، خاصة إذا ارتبطت بأنشطة استخباراتية أو عمليات مشتركة مع إيران أو روسيا.
ورداً على ذلك، جرت مباحثات رفيعة بين مسؤولين أمنيين أتراك وإسرائيليين في العاصمة الأذربيجانية باكو، أسفرت عن اتفاق على “آلية منع الصدام” وتبادل معلومات لمنع الحوادث العرضية في الأراضي السورية.
إردوغان والشرع: صفحة جديدة أم مصالح متبادلة؟
لقاء الرئيسين رجب طيب إردوغان وأحمد الشرع، الذي عُقد السبت، شكّل منعطفاً مهماً في العلاقات بين البلدين بعد أكثر من عقد من التوتر والقطيعة. وتناول اللقاء ملفات التعاون العسكري والأمني، بما فيها إنشاء القاعدتين، إضافة إلى ملف إعادة اللاجئين السوريين، وهو ما يهم أنقرة داخلياً في ظل تصاعد الضغط الشعبي.
ووفق تسريبات، فإن أنقرة قدّمت عرضاً يتضمن “حزمة دعم سياسي وأمني” لدمشق مقابل توسيع مناطق النفوذ التركي في الشمال السوري، وتنفيذ عمليات عسكرية محدودة ضد وحدات الحماية الكردية بالتنسيق مع الجيش السوري.
إعادة رسم خريطة السيطرة.. بخطوات تركية محسوبة
مع هذه الخطوات المتسارعة، يبدو أن تركيا تتجه نحو “شرعنة وجودها العسكري” في سوريا من خلال اتفاقات مع دمشق، وليس عبر تدخلات مباشرة كما في السنوات الماضية. القاعدتان المزمع إنشاؤهما ستكونان – في حال اكتملت الخطة – أول وجود رسمي دائم للقوات المسلحة التركية على أراضٍ سورية معترف بها من قبل حكومة دمشق.
هذا التحول لا يعكس فقط تطور العلاقة بين الجانبين، بل أيضاً رغبة تركية في فرض أمر واقع ميداني يعزز من موقعها التفاوضي مستقبلاً، سواء على طاولة التسوية أو في موازين القوى الإقليمية.
بين النفوذ والحذر.. سوريا على مفترق إقليمي جديد
إنشاء قواعد بحرية وجوية تركية في سوريا هو خطوة بالغة الدلالة، تفتح الباب لتحولات جديدة في معادلة النفوذ في البلاد. وبينما تسعى أنقرة لتأمين حدودها الجنوبية وردع خصومها، تواجه تحدياً أكبر في ضمان توازن دقيق بين مصالحها ومصالح حلفائها وخصومها الدوليين.






