عاد المشهد السياسي في بغداد إلى نقطة الصفر، بعدما كانت قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي على وشك حسم مرشحها لرئاسة الحكومة، قبل أن تعصف تطورات مفاجئة بالاتفاقات الأولية، وتفتح الباب مجدداً أمام عودة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي إلى الواجهة، مدعوماً هذه المرة من الفصائل المسلحة.
ولم يكن تأجيل الاجتماع الحاسم الذي كان مقرراً لإعلان ترشيح باسم البدري مجرد خطوة إجرائية، بل عكس عمق الانقسامات داخل «الإطار»، وسط صراع متصاعد بين أجنحة سياسية تسعى لفرض مرشحها قبل انتهاء المهلة الدستورية.
زيارة قاآني.. ورسائل طهران
وتزامن تعقيد المشهد مع زيارة لافتة لقائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني إلى بغداد، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها محاولة إيرانية لإعادة ترتيب البيت الشيعي وضمان توافق داخلي يمنع انقسام الحلفاء.
ورغم الطابع غير المعلن للزيارة، فإن نتائجها بدت واضحة في إعادة خلط الأوراق، خصوصاً مع تراجع حظوظ المرشح التوافقي باسم البدري، وصعود خيارات أكثر حدة مثل المالكي أو حتى الإبقاء على رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني لولاية ثانية.
صراع المالكي والسوداني
وخرج الخلاف بين المالكي والسوداني إلى العلن، مع تبادل الاتهامات بشأن تعطيل مسار اختيار رئيس الحكومة، ففي حين يتهم المالكي خصمه بمحاولة عرقلة التوافق، ترى أوساط السوداني أن طرح اسم المالكي كان «محسوباً» لإحراجه بسبب الرفض الأميركي المحتمل.
هذا التراشق كشف انقساماً حاداً داخل «الإطار التنسيقي»، بين تيار يسعى لفرض مرشح عبر التوافق الكامل، وآخر يلوّح بالأغلبية البرلمانية كخيار بديل.
ويواجه «الإطار التنسيقي» اختباراً حقيقياً مع اقتراب انتهاء المهلة الدستورية لتسمية مرشح الحكومة، والتي تمتد لـ15 يوماً من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية.
وفي حال الفشل، يصبح رئيس الجمهورية مخولاً دستورياً بتكليف مرشح من الكتلة الأكبر، ما يمنح أفضلية نسبية لمعسكر السوداني، الذي يمتلك ثقلاً برلمانياً واضحاً، لكن هذه المهلة تحولت إلى سلاح ضغط مزدوج، يهدد بإقصاء بعض الطامحين، وفي مقدمتهم المالكي، إذا لم يتم التوافق سريعاً.
الفصائل المسلحة تدخل على الخط
في تطور لافت، أصدرت «كتائب حزب الله» بياناً دعت فيه إلى التخلي عن خيار «مرشح التسوية»، والتوجه نحو اختيار أحد خيارين: المالكي أو السوداني.
وأعاد هذا الموقف الزخم لترشيح المالكي، باعتباره مدعوماً من الفصائل المسلحة، وهو ما يعكس – بشكل غير مباشر – دعماً إيرانياً، رغم التعقيدات المرتبطة بالموقف الأميركي.
وفي موازاة التحركات الإيرانية، تستعد بغداد لاستقبال المبعوث الأميركي توم برّاك، في زيارة يُنظر إليها على أنها حاسمة لتحديد ملامح المرحلة المقبلة.
وبين ضغوط إيران ورهانات الولايات المتحدة، يجد العراق نفسه مجدداً ساحة لتقاطع المصالح الدولية، حيث لم يعد تشكيل الحكومة شأناً داخلياً فحسب، بل بات مرتبطاً بتوازنات إقليمية ودولية معقدة.
سيناريوهات مفتوحة
ومع استمرار الانقسام داخل «الإطار التنسيقي»، تبدو جميع السيناريوهات مفتوحة، كتوافق متأخر يفرض مرشحاً وسطياً، وحسم بالأغلبية يعمّق الانقسام، أو تدخل خارجي مباشر يرجّح كفة أحد الأطراف.
لكن المؤكد أن العراق يقف أمام لحظة سياسية فارقة، حيث لم يعد الصراع مجرد تنافس على منصب، بل اختبار حقيقي لقدرة القوى السياسية على إدارة خلافاتها دون الانزلاق إلى أزمة أعمق.




