تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تمثل صيحة تحذير أخيرة أمام صمت العالم وتردده في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية. الرجل الذي رأى أزمات لا تحصى في مناطق متعددة من العالم، وصف ما يحدث في غزة بأنه الأسوأ منذ توليه منصبه وربما في حياته كلها. هذا الوصف لم يأت من فراغ، بل يعكس حجم الموت والدمار والمجاعة وانهيار الخدمات الصحية وتكدس مئات الآلاف من البشر في مساحات ضيقة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. غزة اليوم، كما يصورها غوتيريش، ليست مجرد ساحة حرب، بل نموذج مكتمل للإبادة الجماعية المنظمة.
كسر حاجز الصمت
اللافت في تصريحاته أنه لم يكتف بالدعوة إلى وقف الحرب، بل كسر حاجز الصمت الذي اعتادت الأمم المتحدة أن تحتمي خلفه، حين شدد على أن العالم لا يجب أن يخشى من ردود الفعل الإسرائيلية. فسواء تحرك المجتمع الدولي أم ظل جامداً، فإن إسرائيل ماضية في مشروعها: تدمير غزة وابتلاع الضفة الغربية تدريجياً. بهذا المعنى، يحاول غوتيريش أن يقول إن الخوف من “الانتقام الإسرائيلي” ذريعة باطلة يستخدمها بعض الفاعلين الدوليين لتبرير عجزهم أو تواطؤهم.
إن خطورة الموقف لا تكمن فقط في استمرار الحرب على غزة، بل في المسار السياسي الذي ترسمه إسرائيل على الأرض: واقع الضم الزاحف في الضفة، والتطهير في غزة، وإعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية بما ينسف أي حديث جاد عن دولة فلسطينية. التحذير الأممي هنا يلتقي مع تحذيرات سابقة صادرة عن منظمات حقوقية ودولية، لكن الفارق أن غوتيريش يضعها هذه المرة في إطار مباشر وصريح، لا يحتمل التأويل.
الحرب تهدد استقرار المنطقة
التحدي الأكبر هو ما إذا كانت هذه الكلمات ستترجم إلى خطوات عملية. فالتجربة التاريخية مع الأمم المتحدة أظهرت أن قوة الفيتو في مجلس الأمن، والاصطفافات السياسية الكبرى، غالباً ما تشل قدرة المنظمة الدولية على التدخل الفاعل. لكن نبرة غوتيريش قد تمثل حافزاً لتعبئة ضغوط شعبية وإقليمية ودولية، خاصة أن الحرب دخلت مرحلة تهدد ليس فقط حياة الفلسطينيين وإنما استقرار المنطقة بأكملها.
في نهاية المطاف، رسالة غوتيريش تفضح المعادلة القائمة: إسرائيل تواصل حربها بلا قيود، بينما يكتفي العالم بالتنديد أو الصمت. وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي اليوم، فإن النتيجة لن تكون فقط إبادة غزة، بل انهيار ما تبقى من الشرعية الدولية التي تزعم الأمم المتحدة أنها تمثلها.






