في خطوة لافتة أثارت ردود فعل حادة في إسرائيل، كشفت مصادر دبلوماسية أن القاهرة سرّعت من وتيرة تعزيزها العسكري في شبه جزيرة سيناء خلال الأشهر الأخيرة، بما يشمل تمديد مدارج الطائرات في القواعد الجوية وبناء منشآت تحت الأرض يُعتقد أنها قد تُستخدم لتخزين صواريخ أو معدات ثقيلة. هذه التحركات، التي تُصنّفها تل أبيب بأنها خرق واضح لاتفاقية السلام الموقعة عام 1979، وضعت ملف سيناء مجددًا في واجهة التوتر بين البلدين، خصوصًا مع الحرب المشتعلة في غزة وما تفرضه من تداعيات إقليمية حساسة.
وبينما نفت القاهرة وجود نية هجومية أو خرق للاتفاق، ترى إسرائيل أن غياب التوضيحات الرسمية الكافية يزيد من حالة القلق ويغذي شكوك المؤسسة العسكرية والأمنية. وفي ظل هذا الغموض، طلب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التدخل الفوري للضغط على مصر وتذكيرها بالتزاماتها بموجب معاهدة السلام.
أزمة ثقة تتعمق بين القاهرة وتل أبيب
لم تُعقد أي لقاءات علنية بين نتنياهو والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي منذ قرابة ثلاث سنوات، فيما يشير إلى فتور غير مسبوق في العلاقات الثنائية. ويعود ذلك إلى تباين المواقف حيال غزة، حيث تخشى القاهرة أن تسعى إسرائيل إلى دفع مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين إلى سيناء، وهو ما تعتبره مصر تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي وخطًا أحمر غير قابل للنقاش.
القلق الإسرائيلي لا يقتصر على سيناء وحدها، بل يتعداه إلى حديث القاهرة عن إمكانية تشكيل قوة عسكرية عربية مشتركة ردًا على التصعيد الإسرائيلي في المنطقة، ما يُنظر إليه في تل أبيب كإشارة سياسية قوية قد تعيد خلط الأوراق. في المقابل، ترى مصر أن إسرائيل، بسياساتها في غزة ورفضها التوصل إلى تسويات سياسية، هي الطرف الذي يهدد فعليًا الاستقرار ومعاهدة السلام.
احتمالات مواجهة عسكرية أو ضربة استباقية
السيناريو الأكثر خطورة الذي يتداوله بعض المحللين في إسرائيل هو إمكانية أن تتحول التعزيزات المصرية في سيناء إلى نقطة انطلاق لمواجهة عسكرية غير محسوبة. صحيح أن القاهرة لا تُبدي أي نية علنية للحرب، لكن تل أبيب ترى أن تطوير البنى التحتية العسكرية قد يفتح الباب أمام احتمالات ضربة استباقية إذا ما شعرت إسرائيل بأن التهديد بات وشيكًا.
وتاريخيًا، لطالما اعتبرت إسرائيل أن مبدأ “الضربة الاستباقية” جزء أساسي من عقيدتها الأمنية، كما حدث في حرب 1967. وفي حال استمرار التصعيد اللفظي والتوتر الحدودي، قد تجد إسرائيل نفسها أمام ضغوط داخلية لتكرار هذا النهج، ولو على نطاق محدود، لتعطيل أي بنى عسكرية مصرية تعتبرها موجهة ضدها. إلا أن مثل هذا الخيار يحمل في طياته مخاطر جسيمة، أبرزها انهيار اتفاقية كامب ديفيد التي صمدت لأكثر من أربعة عقود، وما قد يستتبع ذلك من تداعيات إقليمية ودولية واسعة.
الموقف الأميركي ودور الضامن
تضع هذه التطورات الولايات المتحدة في موقف بالغ الحساسية. فهي الضامن الرسمي لاتفاقية السلام المصرية – الإسرائيلية، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في الانجرار إلى أزمة جديدة في المنطقة. إدارة ترامب تجد نفسها مطالبة بالتوفيق بين علاقتها الاستراتيجية مع القاهرة وأولويتها المطلقة في دعم إسرائيل.
وقد يؤدي أي انحياز مفرط لإسرائيل إلى دفع مصر نحو خيارات أكثر تشددًا، سواء عبر تعزيز التنسيق العسكري مع الدول العربية الأخرى، أو عبر إبطاء مسار التعاون الأمني مع واشنطن. وفي حال فشل الإدارة الأميركية في احتواء الأزمة، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوتر الإقليمي الذي قد يتجاوز حدود سيناء ليشمل أمن البحر الأحمر والشرق الأوسط برمته.
غزة.. المحرك الخفي للأزمة
لا يمكن فصل التوتر القائم عن الحرب المستمرة في غزة، والتي أصبحت سببًا مباشرًا لإعادة رسم الحسابات الإسرائيلية–المصرية. فالقاهرة تخشى أن يؤدي استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى انهيار الوضع الإنساني بشكل كامل في القطاع، ومن ثم دفع موجات لجوء ضخمة نحو سيناء. هذه الفرضية تمثل كابوسًا استراتيجيًا بالنسبة لمصر، إذ تراها تهديدًا لتركيبتها السكانية واستقرارها الأمني.
في المقابل، يستخدم نتنياهو ورقة اللاجئين للضغط على القاهرة، متهمًا إياها بأنها تمنع الفلسطينيين من مغادرة “منطقة حرب”. هذا الخطاب العلني زاد من حدة التوتر السياسي، وخلق أجواء من انعدام الثقة قد يكون من الصعب ترميمها في المدى القريب.
سيناريوهات المستقبل
أمام هذا المشهد المعقد، يبدو أن الخيارات المتاحة تتراوح بين التهدئة المدروسة أو الانزلاق نحو صدام واسع. السيناريو الأول يفترض نجاح وساطة أميركية أو دولية في احتواء الخلاف عبر إعادة تفعيل آليات الرقابة المشتركة على سيناء وتقديم ضمانات أمنية متبادلة. أما السيناريو الثاني، فيحمل خطر التصعيد غير المباشر، سواء من خلال اشتباكات حدودية محدودة أو عبر تكثيف الضربات الجوية الإسرائيلية التي قد تُفسر في القاهرة كاعتداء مباشر.
المرجح حتى الآن أن الطرفين سيتجنبان الحرب الشاملة، نظرًا للتكلفة العالية ولغياب استعداد شعبي أو سياسي لمثل هذا الخيار. لكن استمرار انعدام الثقة، وغياب أي قناة حوار جدية بين السيسي ونتنياهو، يجعلان احتمال الانزلاق إلى مواجهة غير مقصودة قائمًا، خاصة إذا ترافق مع أحداث طارئة في غزة أو المنطقة.






