، صعدت قوات الاحتلال الإسرائيلي اليوم الأربعاء من عدوانها على قطاع غزة، مستهدفة المدنيين العزّل في عدة مناطق من شمال القطاع إلى جنوبه، ما أدى إلى استشهاد ما لا يقل عن 87 فلسطينيًا خلال أقل من 24 ساعة. في المقابل، أعلنت سرايا القدس، الذراع العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي، أنها ردّت على التصعيد بقصف مدن عسقلان وأسدود برشقات صاروخية كثيفة، في تأكيد على استمرار المواجهة المفتوحة بين المقاومة والاحتلال.
جباليا: مجزرة تتكرر في ظلام الشمال
مع ساعات الفجر الأولى، شهدت بلدة جباليا شمال القطاع واحدة من أبشع المجازر منذ بداية التصعيد. فقد قصفت طائرات الاحتلال منازل المدنيين بشكل مباشر، مما أدى إلى استشهاد 14 فلسطينيًا على الأقل، معظمهم من النساء والأطفال، وفقًا لمصادر طبية ومحلية. ولم تكن هذه المجزرة معزولة، بل جاءت ضمن سلسلة من الغارات العنيفة التي استهدفت المنطقة طوال اليوم، وأسفرت عن سقوط المزيد من الشهداء، بينهم خمسة في غارة مسائية على جباليا البلد، لتعيد للأذهان مشهد الدمار الذي لم يُمحَ بعد من ذاكرة الشمال.
خان يونس: الجنوب تحت النار مجددًا
في الجنوب، لم يكن الوضع أقل دموية. فمدينة خان يونس ومحيطها تعرضت مساء اليوم لسلسلة من الغارات العنيفة، تركزت على مناطق سكنية، مما أدى إلى استشهاد 9 فلسطينيين، وسط حالة من الذعر والهلع في صفوف السكان. تأتي هذه الغارات في وقت يتعرض فيه جنوب القطاع لضغط ناري متواصل، في ظل الحديث الإسرائيلي المتكرر عن “تطهير ما تبقى من البنية التحتية للمقاومة”، وهو خطاب تبريري يتجاهل الحقائق على الأرض، حيث يسقط الضحايا من صفوف المدنيين، وتستهدف البنية الإنسانية أكثر من البنية العسكرية.
غزة المدينة: الحصار يتكثف والمجازر تتنقل
وسط مدينة غزة، كان حي الشجاعية على موعد مع قصف مدفعي جديد استهدف شارع المنصورة، مما أدى إلى استشهاد فلسطيني، في استمرار للسياسة الإسرائيلية التي تستهدف المناطق الشرقية من المدينة بغارات متكررة تشل الحركة وتمنع السكان من الوصول إلى احتياجاتهم الأساسية.
أما في حي الدرج، فقد شهدت المنطقة مجزرة جديدة بعد ظهر اليوم، حيث استشهد 8 فلسطينيين وأصيب العشرات جراء استهداف مباشر لتجمع للمدنيين. وقبل أن تلتقط المدينة أنفاسها، أغارت طائرات الاحتلال على تكية شعبية كانت توزع الطعام في شارع النفق، ما أسفر عن استشهاد 4 آخرين، في مشهد لا يختلف كثيرًا عن قصف المخابز وسيارات الإسعاف في الأسابيع الماضية.
سرايا القدس تردّ: قصف عسقلان وأسدود
في ظل هذا التصعيد الدموي، أعلنت سرايا القدس أنها أطلقت رشقات صاروخية مكثفة تجاه مدينتي عسقلان وأسدود، ردًا على مجازر الاحتلال في جباليا وغزة وخان يونس. وأكدت السرايا في بيان مقتضب أن “الرد على الدم يكون بالنار”، في إشارة إلى استمرار المقاومة في سياسة الردع عبر الصواريخ رغم الضربات المتواصلة التي تطال البنية التحتية للفصائل الفلسطينية.
رسائل سياسية عبر نيران الغارات
التصعيد الإسرائيلي الأخير لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي والدولي، حيث تستغل حكومة بنيامين نتنياهو حالة الجمود السياسي في ملف التهدئة لتحقيق مكاسب ميدانية، وتوجيه رسائل مزدوجة: الأولى نحو الداخل الإسرائيلي المتململ من استمرار الحرب، والثانية إلى الأطراف الدولية التي تسعى للعودة إلى مسار سياسي عبر الوسطاء.
أما على الضفة الأخرى، فإن المقاومة – رغم النزيف البشري والدمار – تبدو حريصة على تثبيت معادلة الردع، من خلال تكثيف إطلاق الصواريخ واستهداف المستوطنات، وهو ما قد يعيد طرح تساؤلات جدية حول قدرة الاحتلال على تحقيق ما يصفه بـ”النصر” في غزة، أو حتى فرض شروطه على الميدان.
غزة تُقصف.. والعالم يراقب بصمت
في ظل استمرار المجازر وتوالي صور الضحايا، تتواصل حالة الصمت الدولي، باستثناء بعض الدعوات الشكلية لضبط النفس. وبينما يصر الاحتلال على توصيف ضرباته بأنها “دفاع عن النفس”، تتراكم أرقام الشهداء الفلسطينيين في قائمة طويلة من الجرائم التي لم تُحاسب بعد.
اللافت في هذا التصعيد أن الاحتلال يبدو عازمًا على استنزاف ما تبقى من القطاع إنسانيًا، أكثر من سعيه لتحقيق إنجاز عسكري نوعي، وهو ما يجعل من الغارات اليومية محاولة لخلق واقع جديد على الأرض، على أمل فرضه على طاولة المفاوضات مستقبلًا.
الدم الفلسطيني بين المطرقة والصمت
العدوان الإسرائيلي على غزة دخل مرحلة أكثر دموية، والمقاومة تردّ بما تملكه من أدوات. لكن الغائب الأكبر في هذا المشهد هو الموقف الدولي الفاعل، الذي لم يخرج حتى الآن عن مربع الإدانات الخجولة. وبينما تُحرق المنازل وتُزهق الأرواح في القطاع المحاصر، تبقى غزة وحدها تواجه قدرها، بين آلة الحرب الإسرائيلية وصمت العالم، في انتظار يقظة ضمير تبدو بعيدة المنال.






