تشهد مدينة غزة ومناطق متفرقة من القطاع موجة قصف هي الأعنف منذ أسابيع، إذ قتل الجيش الإسرائيلي منذ فجر السبت ما لا يقل عن 61 فلسطينياً، في هجمات جوية وبرية متزامنة، ترافقت مع استخدام آليات مفخخة مسيّرة (“روبوتات”) لتفجير منازل وأحياء سكنية شمال المدينة. التصعيد الأخير يندرج في إطار حملة عسكرية متواصلة منذ نحو عامين، تهدف وفق مراقبين إلى إعادة السيطرة على مدينة غزة وإجبار سكانها على النزوح نحو الجنوب.
استهداف المدنيين ومراكز الإيواء
بحسب شهود عيان ومصادر طبية، تمحورت الغارات على أحياء مكتظة بالسكان، حيث قُتل 9 أشخاص من عائلة واحدة في حي التفاح، و5 آخرون في مخيم الشاطئ إثر استهداف منزل عائلة أبو سلمية، بينهم أشقاء مدير مجمع الشفاء الطبي. كما أسفرت غارة قرب ملعب اليرموك عن مقتل طفلين وإصابة آخرين داخل مدرسة تؤوي نازحين، فيما قُتلت امرأة في حي الصبرة خلال قصف طال تجمعاً مدنياً فجراً. هذه الهجمات تضاف إلى سلسلة ضربات طالت خيام نزوح ومفترقات طرق، ما يعكس استمرار استهداف البنية المدنية في القطاع.
تكتيك “الروبوتات المفخخة” والإنذارات الجديدة
في تطور لافت، فجر الجيش الإسرائيلي عدداً من العربات المفخخة المسيّرة في أحياء شمال غزة، خصوصاً في الشيخ رضوان وشارع النفق، في تكتيك يشير إلى رغبة إسرائيل في تقليل خسائر قواتها البرية عبر الاعتماد على الوسائل الآلية في حرب المدن. تزامن ذلك مع إلقاء منشورات تحذيرية فوق مخيم الشاطئ، تجدد مطالبة السكان بإخلاء المدينة والتوجه إلى الجنوب، في تكرار لسيناريو التهجير الذي اعتبرته منظمات حقوقية جزءاً من سياسة “الإبادة والاقتلاع الجماعي”.
توسع رقعة القصف نحو الوسط والجنوب
لم يقتصر التصعيد على شمال غزة. ففي وسط القطاع، قُتل 5 أشخاص على الأقل في النصيرات، بينهم ثلاثة داخل خيمة نزوح. أما جنوباً، فقد شهدت خان يونس ورفح هجمات مكثفة أسفرت عن مقتل أكثر من 30 شخصاً، بينهم 7 من أسرة واحدة قرب المستشفى الأردني، و23 آخرون في غارات متفرقة على أحياء سكنية. الدفاع المدني تحدث عن إطلاق نار عشوائي من طائرات مسيرة استهدف منازل مدنيين شمالاً وجنوباً، ما زاد من حصيلة الضحايا.
دلالات التصعيد واحتمالات المرحلة المقبلة
يأتي هذا التصعيد في وقت تواصل فيه إسرائيل خطابها الداعي إلى “تطهير” مدينة غزة من فصائل المقاومة، وسط غياب أي أفق لاتفاق وقف إطلاق نار أو تهدئة. ويرى محللون أن استخدام الروبوتات المفخخة، إلى جانب القصف الجوي الكثيف، يشير إلى محاولة للتمهيد لاجتياح بري محدود داخل المدينة، يهدف إلى استنزاف ما تبقى من قدرات “كتائب القسام”. لكن الكلفة الإنسانية تظل باهظة، إذ يترافق هذا السيناريو مع موجات نزوح قسري نحو الجنوب، حيث لم تعد المناطق التي توصف بـ”الآمنة” قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من النازحين.
وبينما تصر إسرائيل على تحقيق “نصر عسكري”، تتعاظم مخاوف المجتمع الدولي من دخول الحرب مرحلة أكثر دموية، عنوانها تهجير إضافي وانهيار شبه كامل للبنية المدنية في القطاع، ما قد يفتح الباب أمام أزمات إقليمية أوسع.






