شهد لبنان خلال الساعات الماضية تصعيدًا عسكريًا إسرائيليًا واسع النطاق، وصفه مراقبون بأنه الأخطر منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، وذلك قبل أيام قليلة من انطلاق المفاوضات المباشرة المرتقبة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية في العاصمة الأميركية واشنطن.
وجاء التصعيد في توقيت بالغ الحساسية سياسيًا وأمنيًا، ما أثار مخاوف من محاولة فرض وقائع ميدانية جديدة قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض.
وللمرة الأولى منذ أشهر، توسعت دائرة الاستهدافات الإسرائيلية لتصل إلى تخوم العاصمة بيروت، بعدما نفذت طائرات مسيّرة غارتين على أوتوستراد السعديات الرابط بين الجنوب اللبناني وبيروت، إلى جانب غارة أخرى استهدفت طريق الشوف في جبل لبنان، في خطوة اعتبرها مراقبون رسالة تصعيدية مباشرة تحمل أبعادًا سياسية وعسكرية تتجاوز الأهداف الميدانية التقليدية.
الجنوب اللبناني تحت النار
وبالتزامن مع الضربات قرب بيروت، واصل الجيش الإسرائيلي شن غارات مكثفة على مناطق الجنوب اللبناني، حيث تعرضت بلدات عدة لقصف عنيف طال منازل ومبانٍ سكنية، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، وسط حالة من الذعر والخوف بين السكان.
وشهدت بلدة السكسكية واحدة من أعنف الضربات، بعدما استهدفت غارة إسرائيلية منزلاً سكنيًا بشكل مباشر، ما أسفر عن مقتل 7 أشخاص بينهم طفلة، وفق حصيلة أولية، بينما واصلت فرق الإنقاذ والإغاثة عمليات البحث تحت الأنقاض لساعات طويلة، في مشهد أعاد إلى الأذهان صور الدمار التي خلّفتها الحروب السابقة في الجنوب اللبناني.
كما استهدفت الغارات مناطق أخرى في محيط صور والنبطية، وسط تحليق مكثف للطائرات المسيّرة الإسرائيلية، في وقت تحدثت مصادر محلية عن استهدافات متلاحقة طالت سيارات ومنازل يشتبه بوجود عناصر من «حزب الله» فيها.
رسائل نارية قبل مفاوضات واشنطن
ويرى محللون أن هذا التصعيد لا يمكن فصله عن المفاوضات المرتقبة في واشنطن، والمقرر عقدها يومي الخميس والجمعة المقبلين برعاية أميركية، حيث تسعى إسرائيل إلى تعزيز أوراق الضغط الميداني قبل بدء أي نقاشات مباشرة مع الجانب اللبناني.
ويعتقد مراقبون أن تل أبيب تحاول إيصال رسالة واضحة مفادها أن العمليات العسكرية ستظل مفتوحة ما لم يتم التوصل إلى ترتيبات أمنية جديدة على الحدود الجنوبية، خاصة في ظل استمرار التوترات الأمنية والمواجهات المتقطعة منذ اندلاع الحرب في غزة وتوسع الاشتباكات على الجبهة اللبنانية.
كما يرى البعض أن توسيع بنك الأهداف ليشمل مناطق قريبة من بيروت يحمل بعدًا نفسيًا وسياسيًا، يهدف إلى رفع مستوى الضغط الداخلي على القوى اللبنانية، وإظهار قدرة إسرائيل على الوصول إلى عمق الأراضي اللبنانية في أي وقت.
مخاوف من انهيار تفاهمات التهدئة
وأثار التصعيد الأخير قلقًا واسعًا داخل الأوساط السياسية اللبنانية، خصوصًا مع الحديث عن إمكانية انهيار تفاهمات وقف إطلاق النار غير المعلنة، والتي ساهمت خلال الأسابيع الماضية في الحد من اتساع المواجهات.
وتخشى جهات دبلوماسية من أن يؤدي استمرار الضربات المتبادلة إلى تفجير الوضع بشكل كامل على الحدود الجنوبية، خاصة في ظل غياب أي مؤشرات حقيقية على قرب التوصل إلى اتفاق دائم يضمن وقف العمليات العسكرية.
كما حذرت تقارير دولية من أن أي انزلاق نحو حرب شاملة سيضع لبنان أمام كارثة إنسانية واقتصادية جديدة، في وقت يعاني فيه البلد بالفعل من أزمات مالية ومعيشية خانقة، وانهيار غير مسبوق في مؤسسات الدولة والبنية التحتية.
تحركات دولية لاحتواء الانفجار
وفي المقابل، تكثفت الاتصالات الدولية خلال الساعات الأخيرة لمحاولة احتواء التصعيد ومنع خروجه عن السيطرة، حيث أجرت أطراف غربية وعربية مشاورات عاجلة مع مسؤولين لبنانيين وإسرائيليين، وسط ضغوط متزايدة لخفض التوتر قبل انطلاق مفاوضات واشنطن.
وتسعى الولايات المتحدة إلى إنجاح جولة المفاوضات المرتقبة باعتبارها خطوة أساسية نحو تثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية، خصوصًا بعد أشهر من المواجهات التي هددت بإشعال المنطقة بأكملها.
ويرى مراقبون أن نجاح المفاوضات سيظل مرتبطًا بقدرة الوسطاء على منع التصعيد العسكري من فرض مسار موازٍ للمسار السياسي، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي وتداخل الملفات الأمنية بين لبنان وغزة وإيران.
المدنيون يدفعون الثمن الأكبر
ورغم الحسابات السياسية والعسكرية، يبقى المدنيون اللبنانيون هم الخاسر الأكبر من موجة التصعيد الحالية، مع استمرار سقوط الضحايا وتدمير المنازل ونزوح العائلات من القرى الحدودية خوفًا من اتساع رقعة القصف.
وتداول ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد مؤلمة لفرق الإغاثة وهي تحاول انتشال المصابين من تحت أنقاض المنازل المدمرة في السكسكية، بينما علت أصوات الاستغاثة وسط الدخان والركام، في مشهد يلخص حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها الجنوب اللبناني مجددًا.
ومع اقتراب موعد المفاوضات، يبقى السؤال الأهم مطروحًا بقوة: هل يشكل هذا التصعيد مقدمة لضغط سياسي ينتهي بتفاهمات جديدة، أم أن المنطقة تقف بالفعل على حافة مواجهة أوسع قد تتجاوز حدود لبنان؟




