في مشهد يعكس تعقيدات الصراع على الحدود اللبنانية، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ واحدة من أعنف موجات القصف خلال الساعات الأخيرة التي سبقت دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، مؤكداً مقتل أكثر من 150 عنصراً من حزب الله خلال 24 ساعة فقط.
هذا التصعيد المكثف، الذي شمل نحو 300 هدف داخل لبنان، لم يكن مجرد عملية عسكرية عابرة، بل يحمل دلالات استراتيجية، إذ تسعى إسرائيل إلى فرض واقع ميداني جديد قبل تثبيت الهدنة، عبر استهداف البنية التحتية العسكرية ومراكز القيادة ومخازن الأسلحة.
استهداف القيادات الميدانية
ضمن الضربات التي وُصفت بـ”الدقيقة”، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل القيادي الميداني علي رضا عباس، الذي قال إنه كان يشغل منصب “قائد قطاع بنت جبيل”، وهي منطقة تُعد من أبرز نقاط التماس الحدودية.
ووفق الرواية الإسرائيلية، لعب عباس دوراً محورياً في إدارة العمليات ضد القوات الإسرائيلية، كما ساهم في إعادة بناء القدرات العسكرية للحزب في الجنوب اللبناني، ما جعله هدفاً استراتيجياً في بنك الأهداف.
وتشير المعطيات إلى أن عباس هو رابع قائد في هذا القطاع يتم الإعلان عن تصفيته منذ انطلاق عملية “سهام الشمال” في سبتمبر الماضي، في مؤشر على تركيز العمليات على تفكيك الهيكل القيادي للحزب.
حصيلة التصعيد ترتفع
ومع إعلان مقتل 150 عنصراً خلال يوم واحد، يرتفع إجمالي قتلى حزب الله – بحسب بيانات الاحتلال الإسرائيلي– إلى أكثر من 1800 عنصر منذ بداية جولة التصعيد الأخيرة.
هذه الأرقام، وإن كانت صادرة عن طرف واحد في النزاع، تعكس حجم العمليات العسكرية المكثفة، كما تطرح تساؤلات حول قدرة الحزب على إعادة ترتيب صفوفه، واستيعاب الخسائر البشرية واللوجستية في فترة قصيرة.
وفي موازاة التصعيد، أعلن دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق هدنة مؤقتة لمدة 10 أيام بين لبنان وإسرائيل، عقب اتصالات مباشرة مع الرئيس اللبناني ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وبحسب التصريحات الأميركية، فإن الهدنة تأتي كخطوة أولى نحو تهدئة أوسع، حيث تم تكليف عدد من كبار المسؤولين الأميركيين بمتابعة تنفيذ الاتفاق والعمل على تثبيت مسار نحو “سلام دائم”.
لكن التجارب السابقة في هذا الملف تشير إلى أن مثل هذه الهدن غالباً ما تكون هشة، وقابلة للانهيار مع أي خرق ميداني، خاصة في ظل غياب اتفاق سياسي شامل.
رسائل عسكرية وسياسية
ويرى مراقبون أن تكثيف الضربات قبل سريان الهدنة يحمل أكثر من رسالة، كرسالة ردع وهي تأكيد القدرة على توجيه ضربات موجعة في وقت قصير، وكذلك تحسين شروط التفاوض: فرض واقع ميداني أقوى قبل بدء أي مسار سياسي، وايضا إعادة رسم قواعد الاشتباك: تقليص قدرات حزب الله في مناطق حساسة.
في المقابل، قد يدفع هذا التصعيد حزب الله إلى إعادة تقييم استراتيجيته، سواء بالتصعيد لاحقاً أو بالانخراط في ترتيبات تهدئة طويلة الأمد.




