في تصعيد جديد ينذر باتساع رقعة المواجهة على الجبهة اللبنانية، وجه الجيش الإسرائيلي إنذارًا عاجلًا إلى سكان مدينة صور ومحيطها في جنوب لبنان، مطالبًا بإخلاء المدينة بالكامل، بما في ذلك الحارة المسيحية والمخيمات الفلسطينية والأحياء المجاورة، والتوجه إلى شمال نهر الزهراني، وسط تهديدات بعمليات عسكرية وشيكة ضد مواقع يقول إنها تابعة لـ«حزب الله».
وجاء التحذير الإسرائيلي بعد ساعات من تصاعد التوترات الميدانية على الحدود الجنوبية، وتبادل الاتهامات بين تل أبيب و«حزب الله» بشأن خرق اتفاق وقف إطلاق النار، في وقت تشهد فيه المنطقة حالة استنفار غير مسبوقة، وسط مخاوف من انزلاق الأوضاع إلى مواجهة أوسع قد تشمل عمق المدن اللبنانية.
تل أبيب تتهم «حزب الله» بخرق الهدنة
وقالت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي، إيلا واوية، إن الإنذار يأتي “في ضوء قيام حزب الله بخرق اتفاق وقف إطلاق النار واستهداف الجبهة الداخلية الإسرائيلية”، مؤكدة أن الجيش الإسرائيلي “سيعمل بقوة ضد البنية العسكرية للحزب”.
وأضافت أن “وجود السكان بالقرب من عناصر حزب الله أو منشآته ووسائله القتالية يعرض حياتهم للخطر”، مشيرة إلى أن “كل مبنى يُستخدم لأغراض عسكرية قد يكون هدفًا مشروعًا للضربات”.
وشدد البيان الإسرائيلي على أن أي تحرك جنوب نهر الزهراني خلال الساعات المقبلة قد يعرّض المدنيين للخطر، مع تلويح واضح بعمليات عسكرية داخل أحياء مدينة صور، بما فيها الحي المسيحي، وهو ما أثار حالة من القلق الواسع بين السكان.
صور.. مدينة تاريخية في قلب النار
ويكتسب الإنذار الإسرائيلي خطورة خاصة بالنظر إلى الأهمية التاريخية والإنسانية لمدينة صور، التي تُعد واحدة من أقدم المدن الساحلية في لبنان، وتضم مواقع أثرية مدرجة على قائمة التراث العالمي.
وتأتي هذه التطورات بعد تقارير تحدثت عن أضرار طالت بعض المواقع الأثرية في المدينة نتيجة القصف المتبادل خلال الأسابيع الأخيرة، ما أثار تحذيرات دولية من تعرض التراث اللبناني لخطر التدمير جراء التصعيد العسكري المستمر.
كما تضم المدينة كثافة سكانية مرتفعة، إلى جانب مخيمات فلسطينية ومناطق مدنية مكتظة، ما يزيد من المخاوف الإنسانية المرتبطة بأي عملية عسكرية محتملة.
«حزب الله» يغيّر قواعد الاشتباك
بالتوازي مع التهديدات الإسرائيلية، كشفت مصادر ميدانية لبنانية أن «حزب الله» أجرى تحولات لافتة في تكتيكاته العسكرية خلال الأشهر الأخيرة، في إطار ما وصفته بـ«تغيير قواعد الاشتباك» مع إسرائيل.
ووفق المصادر، فإن الحزب تراجع تدريجيًا عن استخدام الصواريخ التقليدية والمسيّرات الانتحارية المكثفة، واتجه إلى أساليب أكثر تعقيدًا تعتمد على الطائرات الانقضاضية الصغيرة من نوع FPV، التي تعمل بتقنيات الألياف الضوئية لتجاوز أنظمة التشويش الإلكتروني الإسرائيلية.
كما أشارت المصادر إلى أن الحزب رفع مستوى عملياته بشكل غير مسبوق خلال الفترات الماضية، حيث وصلت وتيرة الهجمات اليومية ضد أهداف إسرائيلية إلى نحو 100 عملية في بعض المراحل، مستخدمًا أسلحة وتقنيات لم يكشف عنها سابقًا.
من حرب الاستنزاف إلى المواجهة المفتوحة؟
ويرى مراقبون أن التطورات الأخيرة تعكس انتقال المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله» من مرحلة “الاحتواء المحدود” إلى مرحلة أكثر خطورة، خاصة مع اتساع بنك الأهداف وازدياد وتيرة التهديدات المباشرة ضد المدن اللبنانية.
كما أن إصدار أوامر إخلاء واسعة لمدينة بحجم صور يعكس – بحسب محللين – استعداد إسرائيل لشن عمليات أعمق وأكثر عنفًا، في حال استمرت الهجمات عبر الحدود.
وفي المقابل، يبدو أن «حزب الله» يسعى إلى فرض معادلات جديدة في الميدان، تعتمد على الاستنزاف طويل الأمد والتكنولوجيا منخفضة التكلفة، بما يسمح له بالحفاظ على الضغط العسكري دون الانزلاق إلى حرب شاملة بشكل مباشر.
ويعيد التصعيد الحالي إلى الواجهة المخاوف الدولية من تحول جنوب لبنان إلى ساحة حرب مفتوحة، خصوصًا مع استمرار التوترات الإقليمية المرتبطة بإيران وإسرائيل، وتداخل الجبهات من غزة إلى سوريا ولبنان.
وتحذر منظمات إنسانية من أن أي عملية عسكرية واسعة في صور أو محيطها قد تؤدي إلى موجة نزوح كبيرة، فضلًا عن تهديد البنية التحتية والمواقع الأثرية والسكان المدنيين.
ومع استمرار تبادل الرسائل النارية بين تل أبيب و«حزب الله»، تبقى الأنظار معلقة على الساعات المقبلة، التي قد تحدد ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو احتواء التصعيد أم الدخول في فصل جديد من المواجهة المفتوحة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية.




