التصعيد الإسرائيلي على مدينة غزة بلغ مستوى غير مسبوق مع إعلان وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن “غزة تحترق”، في إشارة إلى شدة القصف الجوي والبري الذي استهدف أحياء سكنية ومناطق استراتيجية داخل المدينة. هذا التصعيد، الذي تزامن مع نسف مبانٍ في الشمال وتوجيه أوامر إخلاء جديدة لسكان أحياء مركزية، يعكس إصرار المؤسسة العسكرية على فرض واقع ميداني قاسٍ، لكنه في الوقت ذاته فتح الباب لأزمة سياسية داخلية تتعلق بمصير الأسرى الإسرائيليين لدى حماس.
تغطية قرار استراتيجي
الخطاب الرسمي الإسرائيلي يركز على أن العملية تهدف إلى “تهيئة الظروف لإطلاق سراح الرهائن”، إلا أن عائلات الأسرى لا ترى في هذه التبريرات سوى محاولة لتغطية قرار استراتيجي بالمضي في الحرب على حساب حياة أبنائهم. بياناتهم الحادة التي اتهمت نتنياهو وكاتس بالتضحية بالمختطفين، تُظهر حجم الشرخ بين القيادة السياسية والعائلات التي تحملت 710 أيام من الانتظار والضغط النفسي، وسط شعور متزايد بأن أولويات الحكومة لا تتعلق بإنقاذهم بل بتثبيت موقعها السياسي.
الانفجارات التي دوّت في غزة وسمع صداها حتى تل أبيب، تعكس أن كلفة الحرب لم تعد محصورة بالفلسطينيين فقط، بل تمتد لتطال الجبهة الداخلية الإسرائيلية نفسها عبر التوترات الأمنية والسياسية. الصحف العبرية تحدثت عن أضرار مادية داخل المستوطنات القريبة، لكن الأضرار الأعمق تتجسد في الانقسام الداخلي: فالمؤسسة العسكرية ترفع سقف المواجهة، في حين تزداد أصوات المنتقدين من داخل الائتلاف والمعارضة، مثل ليبرمان الذي اتهم نتنياهو صراحة بالاستعداد للتضحية بالأسرى والعلاقات الاستراتيجية لإسرائيل مقابل بقائه في الحكم.
خطاب القبضة الحديدية
في هذا السياق، يظهر أن خطاب “القبضة الحديدية” لم يعد كافياً لتوحيد الصفوف. بل على العكس، فقد فتح الباب لتساؤلات حادة حول جدوى استمرار الحرب، وما إذا كانت إسرائيل تسير نحو استنزاف طويل المدى سيضعف جبهتها الداخلية أكثر مما يحقق إنجازات على الأرض.
وبينما تزداد حصيلة الشهداء الفلسطينيين يوماً بعد يوم، يزداد الضغط على حكومة نتنياهو التي تجد نفسها محاصرة بين الحاجة لإظهار القوة عسكرياً، وبين مواجهة غضب الشارع الإسرائيلي الذي يخشى أن تنتهي هذه الحرب دون استعادة الأسرى، بل ومع مزيد من الخسائر السياسية والاقتصادية.
بهذا، يصبح مشهد “غزة تحترق” ليس مجرد وصف لحقيقة القصف المكثف، بل عنواناً مزدوجاً لأزمة مركبة: حرب مفتوحة على الأرض، وانقسام داخلي قد يعصف بمستقبل الحكومة الإسرائيلية نفسها.






