تعرضت الجهود الباكستانية الرامية لإحياء مسار تفاوضي غير مباشر بين إيران والولايات المتحدة لانتكاسة مفاجئة، بعدما أنهى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي زيارته إلى إسلام آباد دون عقد الجولة التي كانت دوائر دبلوماسية تترقبها، ما اعتُبر ضربة للمواعيد التي راهنت عليها الوساطة الباكستانية لدفع المسار السياسي إلى الأمام.
وجاءت مغادرة عراقجي في توقيت حساس، بينما كانت الأنظار تتجه إلى العاصمة الباكستانية ترقبًا لوصول مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في إطار جهود لبحث تسوية محتملة للحرب مع طهران، غير أن الرد الإيراني، وفق مؤشرات الزيارة، بدا كأنه أعاد خلط أوراق الوساطة وأربك الحسابات التي بُنيت خلال الأيام الماضية.
رسالة إيرانية مشروطة للدبلوماسية
وخلال لقاءاته مع وزير الخارجية الباكستاني إسحق دار، ورئيس الوزراء شهباز شريف، وقائد الجيش عاصم منير، سلم عراقجي ما وصفه بالرد الإيراني على المقترح الأميركي، في خطوة حملت رسائل مزدوجة؛ انفتاحًا حذرًا على الدبلوماسية من جهة، وتشكيكًا في جدية واشنطن من جهة أخرى.
تصريحات عراقجي بأن بلاده تنتظر اختبار “مدى جدية الولايات المتحدة” عكست تمسك طهران بشروطها السياسية، فيما بدا أن طهران تحاول إدارة التفاوض عبر مسارات متعددة، خصوصًا مع حديث عن زيارة جديدة محتملة إلى إسلام آباد بعد محطتي مسقط وموسكو، بما يعكس استمرار الحركة الدبلوماسية رغم تعثر التوقيتات المطروحة.
وكانت الوساطة الباكستانية، التي يقودها بصورة محورية قائد الجيش عاصم منير، تراهن على تثبيت باكستان كقناة اتصال إقليمية قادرة على جمع الخصوم، لكن التطورات الأخيرة كشفت حجم التعقيد الذي يواجه هذا الدور، خصوصًا في ظل تضارب الرسائل بين الأطراف المعنية.
وكانت إسلام آباد تعول على جمع الأرضية اللازمة لجولة ثانية من المحادثات غير المباشرة، غير أن مغادرة الوفد الإيراني بدّدت هذه الرهانات مؤقتًا، وأعادت التساؤلات بشأن قدرة الوسطاء الإقليميين على اختراق الجمود القائم.
ترمب يلغي زيارة المبعوثين
وفي المقابل، زاد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلغاء الزيارة المرتقبة لمبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر من حالة الغموض المحيطة بالمشهد، إلا أن البيت الأبيض سعى لاحتواء دلالات القرار، بعدما أكد ترمب أن الإلغاء لا يعني بالضرورة العودة إلى الحرب.
وحملت هذه الرسالة الأميركية محاولة واضحة لفصل تعليق التحرك الدبلوماسي عن احتمالات التصعيد العسكري، في مؤشر على أن باب التفاوض لم يُغلق بالكامل، وإن بدا مؤجلًا أو معاد الترتيب.
حديث عن ارتباك داخل طهران
تصريحات ترمب بشأن وجود “اقتتال داخلي” وارتباك داخل القيادة الإيرانية أضافت بُعدًا جديدًا للأزمة، إذ تعكس قراءة أميركية تعتبر أن المشهد الداخلي في طهران قد يؤثر على قرارات التفاوض، وربما يفسر الحذر الذي يطغى على ردود طهران.
ويرى مراقبون أن هذا الخطاب الأميركي قد يكون جزءًا من أدوات الضغط السياسي، كما قد يمثل محاولة لرفع سقف التفاوض قبل أي عودة محتملة للمحادثات.
وتزامن الحديث عن استمرار جولة عراقجي إلى سلطنة عُمان وروسيا مع مؤشرات إلى أن طهران ربما تفضّل توسيع هوامش الحركة الدبلوماسية بدل حصرها في القناة الباكستانية فقط، فمسقط تمتلك خبرة طويلة في استضافة الاتصالات الهادئة بين طهران وواشنطن، بينما تمثل موسكو ثقلاً سياسيًا داعمًا لإيران، ما يشير إلى أن طهران قد تعيد توزيع أوراقها التفاوضية على أكثر من مسار بالتوازي.
هل تتراجع فرص التسوية؟
ورغم ما بدا انتكاسة للوساطة، لا تشير التطورات إلى انهيار كامل للمسار الدبلوماسي، بقدر ما تعكس إعادة تموضع للأطراف، وسط اختبار جديد لشروط التفاوض وحدود المناورة السياسية.
وبين جواب إيراني أربك التوقيتات، ورسائل أميركية لا تغلق الباب أمام الحوار، تبدو الأزمة أمام مرحلة أكثر ضبابية، حيث لا حرب معلنة ولا تسوية وشيكة، بل مشهد مفتوح على إعادة ترتيب المفاوضات من بوابات جديدة، قد تبدأ من مسقط ولا تنتهي عند موسكو.




