عاد مضيق هرمز إلى صدارة المشهد الجيوسياسي العالمي، بعد ساعات من التصعيد العسكري المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران، في مواجهة بحرية وُصفت بأنها الأخطر منذ سنوات، بعدما أعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» تعرض ثلاث مدمرات أميركية لإطلاق صواريخ ومسيّرات وزوارق هجومية إيرانية أثناء عبورها المضيق.
يأتي ذلك في وقت ردت فيه القوات الأميركية بقصف مواقع إطلاق ومراكز قيادة واستطلاع إيرانية، إلى جانب استهداف ناقلات نفط وسفن مرتبطة بطهران في خليج عمان.
ورغم حدة التصعيد العسكري، بدا أن التحركات الدبلوماسية نجحت مؤقتاً في منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة، خصوصاً مع تمسك واشنطن بإبقاء باب التفاوض قائماً، بالتوازي مع رسائل إيرانية حملت تهديدات واضحة باستخدام الورقة الجغرافية الأهم في العالم: السيطرة على مضيق هرمز.
ترمب يقلل من التصعيد
الرئيس الأميركي دونالد ترامب سعى إلى تهدئة المخاوف الدولية من انفجار الوضع، مؤكداً أن وقف إطلاق النار لا يزال قائماً، وأن المحادثات مستمرة للتوصل إلى تسوية تنهي الصراع.
وفي الوقت نفسه، أوضح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن الإدارة الأميركية تنتظر الرد الإيراني على المقترح المطروح لإنهاء الحرب، معرباً عن أمله في أن يقود الرد إلى مفاوضات جادة خلال الفترة المقبلة.
ويعكس هذا الموقف الأميركي محاولة واضحة للفصل بين الرد العسكري التكتيكي وبين الرغبة السياسية في منع التصعيد الشامل، خصوصاً في ظل المخاوف الغربية من تداعيات أي مواجهة مباشرة داخل مضيق هرمز على أسواق الطاقة العالمية وحركة التجارة الدولية.
3 مدمرات تعرضت لنيران إيرانية
فيما أعلنت القيادة المركزية الأميركية أن ثلاث مدمرات أميركية تعرضت لهجمات متزامنة بواسطة صواريخ وطائرات مسيرة وزوارق إيرانية سريعة أثناء عبورها مضيق هرمز، مؤكدة أن القوات الأميركية تمكنت من التصدي للهجوم دون وقوع إصابات أو أضرار في القطع البحرية.
وأضافت «سنتكوم» أن القوات الأميركية نفذت ضربات فورية استهدفت مواقع إطلاق الصواريخ ومراكز القيادة والاستطلاع الإيرانية، في عملية قالت إنها جاءت “دفاعاً عن النفس” وحفاظاً على حرية الملاحة الدولية.
كما نشرت القيادة المركزية الأميركية مقاطع فيديو تظهر استهداف ناقلة نفط إيرانية، في رسالة عسكرية وسياسية تعكس استعداد واشنطن لتوسيع نطاق الردع البحري إذا استمرت طهران في تهديد الملاحة.
طهران تتهم واشنطن بخرق وقف النار
في المقابل، حملت إيران الولايات المتحدة مسؤولية خرق وقف إطلاق النار، بعدما اتهمت القوات الأميركية باستهداف ناقلة نفط إيرانية وسفينة أخرى قرب مضيق هرمز.
وأكدت طهران أن قواتها البحرية ردّت على القطع الأميركية الموجودة في المنطقة، بينما تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن وقوع انفجارات في جزيرة كشم ومدينة بندر عباس، إضافة إلى إصابة سفينة شحن قرب ميناء ميناب الإيراني.
وفي تطور لافت، أعلنت «سنتكوم» لاحقاً تعطيل ناقلتَي نفط إيرانيتين إضافيتين في خليج عمان، بينما قالت القوات المسلحة الإيرانية إنها احتجزت الناقلة «أوشن كوي» في بحر عمان، في خطوة تعكس تصعيداً متبادلاً في استهداف حركة الشحن والطاقة.
شريان الطاقة العالمي تحت الضغط
ويمثل مضيق هرمز أحد أخطر النقاط الاستراتيجية في العالم، إذ يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، ما يجعل أي اضطراب أمني فيه تهديداً مباشراً للاقتصاد الدولي وأسواق الطاقة.
ومع تصاعد الاشتباكات البحرية الأخيرة، ارتفعت المخاوف من احتمال تعطل إمدادات النفط أو ارتفاع تكاليف التأمين والشحن البحري، خصوصاً في ظل التوتر المتزايد بين القوى الكبرى في المنطقة.
ويرى مراقبون أن إيران تحاول استخدام موقعها الجغرافي كورقة ضغط استراتيجية في مواجهة العقوبات والضغوط الغربية، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى تأمين الملاحة الدولية ومنع طهران من فرض معادلة جديدة في الخليج.
وفي أكثر التصريحات إثارة للجدل، اعتبر محمد مخبر، مستشار المرشد الإيراني، أن السيطرة على مضيق هرمز تمثل “فرصة ثمينة تضاهي القنبلة الذرية”، مؤكداً أن الموقع الجغرافي لإيران يمنحها القدرة، “بقرار واحد”، على التأثير في الاقتصاد العالمي.
وتحمل هذه التصريحات رسائل سياسية وعسكرية مباشرة، مفادها أن طهران تنظر إلى المضيق باعتباره أداة ردع استراتيجية يمكن استخدامها في حال تصاعد الضغوط أو اندلاع مواجهة أوسع مع واشنطن.
كما تعكس التصريحات الإيرانية اتجاهاً متزايداً نحو توظيف الجغرافيا السياسية في معادلات الردع، خاصة مع إدراك طهران لحساسية الأسواق العالمية تجاه أي اضطراب في تدفقات النفط والغاز.
دبلوماسية منع الانفجار
ورغم التصعيد الميداني، فإن التحركات السياسية والدبلوماسية بدت حاضرة بقوة خلال الساعات الماضية، في محاولة لاحتواء الموقف ومنع تحوله إلى حرب إقليمية واسعة.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن واشنطن لا تزال تفضّل المسار التفاوضي، مع الاحتفاظ بخيار الرد العسكري المحدود، بينما تسعى إيران إلى رفع سقف الضغط دون الوصول إلى مواجهة شاملة قد تحمل تداعيات داخلية وإقليمية خطيرة.
ويرى محللون أن ما جرى قرب مضيق هرمز يمثل اختباراً دقيقاً لحدود الاشتباك بين الطرفين، ورسالة متبادلة بأن كلاً من واشنطن وطهران يمتلك القدرة على التصعيد، لكنهما يدركان في الوقت ذاته أن انفجار الوضع بالكامل قد يفتح أبواب أزمة عالمية تتجاوز حدود الخليج.




