في غزة، حيث بات الموت والدمار جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، لم تختفِ حفلات الزواج تماماً. صحيح أن الحرب بدّلت شكلها، وأطفأت كثيراً من مظاهر البذخ التي كانت ترافقها في السابق، لكن بعض العائلات لا تزال تجد في الزواج مناسبة للتمسك بالحياة، ولو لساعات قليلة، وسط واقع يطغى عليه الفقد والنزوح والحرمان.
حفلات بسيطة تقام داخل مخيمات النازحين أو في أماكن مؤقتة، بموارد محدودة ووسائل متاحة، لكنها تمنح أصحابها فرصة لاستعادة شيء من الحياة التي كانت قائمة قبل الحرب. وفي شهادات نقلتها مجلة «نيو لاينز»، يصف صحفي من غزة هذه المناسبات باعتبارها لحظات قصيرة يفسح فيها الفرح مكاناً لنفسه وسط واقع لا يكاد يترك مجالاً له.
عندما وصلت إلى إحدى حفلات الزفاف، لم تكن العروس أول ما لفت انتباهي، بل صورة شاب قُتل خلال الحرب. كانت الصورة معلقة خلف المكان المخصص للعروسين، وبقيت في موقعها رغم الاستعدادات للحفل. لم يحاول أحد إخفاءها أو نقلها، بل ظلت محاطة ببعض الزهور الاصطناعية، في مشهد اختلطت فيه ذكرى الغائب باحتفال الحاضرين.
جلس الضيوف على كراسٍ بلاستيكية، بينما كان الأطفال يتحركون بين الخيام القريبة. لم تكن هناك قاعة فاخرة أو ديكورات واسعة أو موكب من السيارات كما كانت الحال في حفلات الزواج قبل الحرب. الأسرة أقامت مساحة صغيرة داخل مخيم للنازحين، وحاولت أن تمنحها ملامح احتفال مختلف عن المشهد المحيط بها، ولو لفترة قصيرة.
ثم دخلت العروس على وقع الزغاريد.
كان المشهد بسيطاً إلى حد بعيد، لكنه حمل دلالة واضحة: الحياة لم تتوقف بالكامل، حتى في مكان أرهقته الحرب إلى أقصى الحدود.
وبينما كانت الموسيقى تملأ المكان، انقطعت مكبرات الصوت فجأة. لم يكن الأمر مفاجئاً في غزة، التي تعاني من انقطاع واسع ومستمر للكهرباء منذ بداية الحرب، وإنما نفدت بطارية الجهاز الذي كان يشغّل نظام الصوت.
توقفت الموسيقى، لكن الاحتفال لم يتوقف.
في ظروف كهذه، لم تعد حفلات الزواج بحاجة إلى الكثير من الوسائل حتى تؤدي وظيفتها. بعض الزغاريد، وعدد من الكراسي، وزهور اصطناعية، ومساحة صغيرة تجمع العائلة والأصدقاء، كانت كافية لصناعة لحظة مختلفة عن واقع المخيم.
لكن صورة الشاب القتيل بقيت في الخلفية، تذكّر الحاضرين بأن الفرح في غزة لا يأتي منفصلاً عن الحزن. فحتى في أكثر اللحظات التي يفترض أن تكون احتفالية، تظل الحرب حاضرة في الوجوه والذاكرة والمكان.
وهكذا أصبحت حفلات الزواج بالنسبة لبعض الغزيين أكثر من مجرد مناسبات اجتماعية. إنها محاولة لاستعادة طقس من الحياة الطبيعية، والتأكيد على أن الحرب، مهما طال أمدها، لم تتمكن من إلغاء الرغبة في بناء حياة جديدة.
فالزواج هنا لا يأتي باعتباره إعلاناً عن انتهاء الحرب أو تجاوز آثارها، وإنما كطريقة للتمسك بفكرة المستقبل نفسها؛ مستقبل لا يزال ممكناً رغم الخسارات، ومساحة صغيرة للحياة وسط واقع يحاول باستمرار أن يطغى عليها.






