لم تقتصر آثار الغارات الإسرائيلية المتواصلة على غزة على الخسائر البشرية والمباني السكنية، بل امتدت مجدداً إلى معالم دينية وتراثية تعود إلى عقود وقرون مضت.
فقد أفادت وسائل إعلام فلسطينية بأن القوات الإسرائيلية قصفت، الاثنين، مسجد أبو سليم التاريخي في دير البلح وسط قطاع غزة، ما أدى إلى تدمير المسجد، الذي يعد من أقدم المعالم الدينية في المنطقة.
وأظهرت مقاطع مصورة نشرتها وسائل إعلام فلسطينية ومستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي أعمدة كثيفة من الدخان تتصاعد من موقع المسجد عقب الغارة، فيما أفادت تقارير بإصابة عدد من الفلسطينيين جراء الهجوم.
مسجد يحمل ذاكرة المدينة
لم يكن مسجد أبو سليم بالنسبة إلى سكان دير البلح مجرد مكان للعبادة، بل كان جزءاً من الذاكرة العمرانية والثقافية للمدينة.
وقالت الفنانة الفلسطينية ميسا يوسف، المقيمة في وسط غزة، إن تدمير المسجد يمثل خسارة ثقافية كبيرة، مشيرة إلى أنه كان معلماً مهماً وموقعاً تراثياً قديماً.
وأضافت أن عائلتها شاهدت أعمدة الدخان تتصاعد من موقع المسجد من منزلها، الذي تعرض هو الآخر للقصف.
وتكشف هذه الشهادة جانباً آخر من الحرب في القطاع: فالمباني التي تتعرض للدمار ليست دائماً منشآت عسكرية أو منازل حديثة، وإنما تشمل أيضاً أماكن ارتبطت بحياة السكان وذاكرتهم الجماعية.
الجيش الإسرائيلي: استهداف عنصر من حماس
من جانبه، قال الجيش الإسرائيلي إن الغارة على دير البلح استهدفت عنصراً من حركة حماس.
ولم تتوفر، وفق المعلومات الواردة، تفاصيل مستقلة تثبت طبيعة الهدف الذي تحدث عنه الجيش الإسرائيلي أو توضح ما إذا كان المسجد قد استُخدم لأغراض عسكرية.
وتأتي الغارة في وقت تشهد فيه مختلف مناطق القطاع موجة متواصلة من الهجمات، وسط ظروف إنسانية شديدة الصعوبة يعيشها مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين اضطروا إلى النزوح مرات عدة خلال الحرب.
قتلى آخرون في غارات متفرقة
وبالتزامن مع تدمير المسجد، أفاد مسعفون بمقتل طفل يبلغ من العمر أربع سنوات وفلسطيني آخر في غارتين منفصلتين استهدفتا منزلاً في مخيم البريج وطريقاً في خان يونس.
وفي وقت سابق من الاثنين، قُتل فلسطيني وأصيب آخر في غارة استهدفت خيمة في دير البلح، وفق المصادر الطبية نفسها.
وتأتي هذه الهجمات في سياق عمليات عسكرية متواصلة تطال مناطق مختلفة من القطاع، بينما يعيش النازحون في ظروف قاسية داخل خيام وملاجئ تفتقر إلى كثير من الاحتياجات الأساسية.
الطائرات الورقية تشعل جولة جديدة من التصعيد
وتزامنت الضربات الأخيرة مع تصعيد جديد بدأ على خلفية طائرات ورقية انطلقت من قطاع غزة باتجاه جنوب إسرائيل.
وقالت وسائل إعلام إسرائيلية إن عدة طائرات ورقية عُثر عليها خلال عطلة نهاية الأسبوع في إحدى التجمعات الإسرائيلية القريبة من حدود القطاع.
ورد وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس بالتهديد باتخاذ إجراءات عسكرية أكثر صرامة، قائلاً إن إجراءات “قسرية” ستتخذ لوضع حد لهذه الظاهرة.
وبحسب تقارير إسرائيلية، بدأ الجيش إعداد قائمة بأهداف محتملة، مع بحث إمكانية تنفيذ ضربات ضد عناصر على مستويات مختلفة، إلى جانب إصدار أوامر إخلاء في المناطق التي يُعتقد أنها تستخدم لإطلاق هذه الطائرات.
سكان غزة بين القصف والنزوح
بالنسبة إلى سكان القطاع، لا تبدو الغارات الأخيرة أحداثاً منفصلة، وإنما جزءاً من واقع يومي أصبح فيه المكان الأكثر أماناً مؤقتاً فقط.
وتقول ميسا يوسف إن القصف بات يطال مناطق مختلفة من غزة، من محطات تحلية المياه إلى المساجد والخيام والمناطق المخصصة للصلاة والمنازل.
وتضيف أن أوامر الإخلاء أصبحت في بعض الحالات تشمل مباني أو مناطق بأكملها، ما يترك السكان أمام خيار الفرار من دون معرفة المكان الذي قد يتعرض للقصف تالياً.
وفي مخيم البريج، قالت يوسف إن سكاناً غادروا المنطقة بعد صدور أمر بإخلاء مبنى بأكمله، لكن عائلة بقيت في خيمة تعرضت للقصف، ما أدى إلى مقتل أفراد منها، وفق روايتها.
النازحون.. نزوح بلا نهاية
أكثر ما يثقل كاهل السكان، وفق شهادات من داخل القطاع، هو أن النزوح لم يعد حدثاً استثنائياً، بل أصبح دائرة متكررة من الفرار والبحث عن مأوى ثم الرحيل من جديد.
ويعيش كثير من النازحين في خيام لا توفر حماية حقيقية من القصف أو الظروف المناخية، بينما تتقلص أمامهم باستمرار المساحات التي يمكنهم اللجوء إليها.
وتقول يوسف إن الأشخاص الذين يعيشون في الخيام، خصوصاً، باتوا يشعرون بالإرهاق واليأس بعد سنوات من الحرب والنزوح المتكرر.
وتلخص شهادتها حجم المأساة الإنسانية بعبارة قاسية: كثيرون، كما تقول، أصبحوا يشعرون بأنهم يفضلون الموت على المرور بتجربة النزوح والتشرد مرة أخرى.
الحرب التي تستهدف المكان والذاكرة
ويعيد تدمير مسجد أبو سليم إلى الواجهة مسألة أخرى لا تقل أهمية عن الخسائر البشرية المباشرة: مصير التراث العمراني والديني في غزة.
فمع استمرار القصف، لا تفقد المدن الفلسطينية منازلها ومرافقها العامة فحسب، بل تفقد أيضاً أجزاء من ذاكرتها المادية؛ مساجد ومعالم ومواقع كانت شاهدة على تاريخ المكان وسكانه.
ولهذا، فإن سقوط مسجد تاريخي في دير البلح لا يُقاس فقط بحجم المبنى الذي تهدم، بل بما يمثله من ارتباط بين السكان وماضي مدينتهم.
وبينما تتواصل الغارات وسط تصعيد جديد، يجد سكان غزة أنفسهم أمام مشهد يتكرر بأشكال مختلفة: مكان للعبادة يتحول إلى ركام، وخيمة تصبح هدفاً، وأسرة تنزح من منطقة إلى أخرى بحثاً عن الأمان، فيما تتقلص المساحة التي يمكن أن تسمى ملاذاً آمناً.






